كل يوم يمر على القضية الفلسطينية منذ صدور قرار التقسيم عام سبعة وأربعين وحتى الآن والموقف العربي يسير من سييء الى أسوأ، فالعرب دائما لا يقدمون مبادرات ولا يصنعون قرارات، ولا يفرضون رأيا، ولا ينتزعون حقا، ولا يحققون انتصارات الا ما ندر، ولا يبدون شجاعة الا على بعضهم البعض. عشرات القرارات الدولية اتخذت بشأن قضية فلسطين منذ اربعة وخمسين عاما وحتى الآن، فجأة غابت كلها وأصبح السياسيون العرب في معظمهم لا يتحدثون سوى عن تقرير ميتشيل والمبادرة المصرية الاردنية، وكأن هذا هو المخرج لمأساة شعب يقصف بالطائرات والدبابات وتجرف اراضيه وتهدم بيوت اهله ويفزع الاطفال والنساء والعجائز ويقتلون بالليل والنهار وتنقل وسائل الاعلام وعلى الهواء كل يوم قوائم الشهداء والجرحى مع تهديدات شارون وجرائم جيش الاحتلال، ثم يخرج علينا السياسيون بتأكيدات على ان تنفيذ توصيات تقرير ميتشيل هي المخرج. اي وهم وأي فراغ هذا الذي تدور فيه السياسة العربية طوال اكثر من خمسة عقود؟ حرفة الرفض ان نظرة سريعة على المراحل الاساسية للقضية الفلسطينية منذ العام سبعة وأربعين وحتى الآن تبين لنا ان العرب لم يصنعوا شيئا وإنما يمارسون دائما سياسة الرفض حتى الخضوع في النهاية حتى اصبح الامر حرفة وفنا، فقد رفضوا قرار التقسيم فجاءت حرب العام ثمانية وأربعين فاستولى الاسرائيليون على اكثر مما منح لهم من قرار الجمعية العامة للامم المتحدة، وخضع العرب وأصبحت اسرائيل واقعا مفروضا ومدعوما من الولايات المتحدة والقوى الكبرى وتجرع العرب الهزيمة الاولى، وحدث ما حدث بعد ذلك عام ستة وخمسين، ولولا الصراع الامريكي الفرنسي البريطاني لبقيت اسرائيل في المناطق التي استولت عليها لكنها انسحبت تحت الضغط الامريكي مع تخطيط لها بالعودة ولكن تحت مظلة امريكية هذه المرة، وهذا ما حدث عام سبعة وستين حيث ظل السياسيون العرب من العام ثمانية وأربعين وحتى العام سبعة وستين يتحدثون عن تحرير فلسطين وإنهاء الوجود الصهيوني على ارضها، وعقدت القمم العربية المتتالية التي بدأت عام اربعة وستين. وكانت القمة الاولى رد فعل على قرار اسرائيل بتحويل مجرى الاردن وليس مبادرة عربية كالعادة، بداية لعنتريات عربية كلامية كانت اسرائيل ترصدها من قرب، وظل السياسيون العرب يدورون في دائرة صناعة الفراغ وسياسة رد الفعل وليس صناعة الحدث، ويراهنون كالعادة على التحركات الدولية والحرب الباردة التي كانت قائمة آنذاك بين الشرق والغرب. وفي الوقت الذي كانت اسرائيل تخطط برعاية امريكية لتحقيق حلم اسرائيل الكبرى كانت المؤامرات الداخلية والغطرسة في معظم الدول العربية على قدم وساق، فمسلسل الانقلابات في سوريا طوال الستينيات كان قائما، وكذلك في العراق ودعم عبدالناصر لهذا ضد ذاك، وانقلاب بو مدين على بن بيلا في الجزائر، وخطب بورقيبة الذي كان ينافس عبدالناصر على زعامة المغرب العربي مقابل زعامة عبدالناصر لمشرقه، وإذاعات الدول العربية موجهة ضد بعضها البعض وحديث ليس له معالم واضحة عن تحرير فلسطين كل فلسطين. تجزئة القضية وسط هذه الاجواء جاءت هزيمة العام سبعة وستين فتغيرت معالم القضية ولغة الخطاب ومطالب التحرير. لم تعد فلسطين هنا قضية العرب وإنما اصبحت شبه جزيرة سيناء في مصر وقطاع غزة للفلسطينيين والضفة للاردنيين والجولان للسوريين، اما فلسطين فأصبحت تظهر الآن على بعض الخرائط العربية باسم اسرائيل، وانتقلت القضية بعد ذلك لتصبح قضية اقليمية مجزأة وأصبح العرب يركضون خلف الفتات الذي يقدم لهم وليس ما يطالبون به او يصنعونه، ظلوا يتمسكون بالقرار 242 وهم لم يصنعوه ثم انقضى ومضى، ولم نعد نسمع عنه، ثم جاءت حرب اكتوبر فانتصرت مصر وحررت سيناء بالاتفاقيات والاعتراف باسرائيل، اما فلسطين فإنها اصبحت قضية الفلسطينيين الذين ركضوا الى اوسلو بعد مدريد من قبله ثم الى عشرات الاتفاقات بعده كل منها ادنى مرتبة من الآخر، وكل منها يقترح ويفرض من الآخرين، والسلطة الفلسطينية لم تصنع ولم تفرض شيئا شأنها شأن العرب الآخرين، وها هو شعبها يقصف بالدبابات والطائرات دون ان تتمكن من عمل شيء لأن كل شيء يدور في الفراغ منذ اكثر من خمسة عقود. لكن المذهل ان كل القرارات والمؤتمرات والقمم الدولية والعربية والاقليمية التي عقدت وصدرت عنها قرارات تهز الجبال في صياغتها وقوتها.. كلها ذهبت ادراج الرياح واصبح الحديث اليوم عن تقرير ميتشيل باعتباره المخرج لكل ما يدور.. ومن يدري ما الذي سوف يتم تسويقه غدا من توصيات او قرارات اقل هزالة مما نسمع ونرى.. انها السياسة العربية.. سياسة فن صناعة الفراغ؟! ـ كاتب وإعلامي مصري