في الحياة لحظات مفصلية يتوقف عندها الزمن.. وفيها محطات رئيسة ترسو في مرافئها السفن.. وفيها أوقات تقرع لنا الأجراس لتنتشلنا من دورة الصحو والوسن. سريعاً كما يلوح الضوء عابراً ثم يختفي يمضي بنا قطار العمر.. وهادراً كاندفاع السيل يجري بنا نهر الحياة.. وفي غمرة انشغالنا بقيادة مراكبنا المبحرة بين ضفتي النهر يشعرنا هؤلاء الأبناء بأننا قد قطعنا مسافة طويلة من هذه الرحلة.. غادرنا فيها مرحلة الطفولة منذ أمد يبدو أنه غدا بعيداً.. وعبرنا مرحلة الشباب.. وراكمنا في الذاكرة الكثير من الأحداث.. وأصبحنا على أعتاب مرحلة من العمر نعيد فيها رؤية أنفسنا من خلالهم.. هؤلاء الذين يقفون أمامنا ليعيدوننا إلى لحظات شبيهة بهذه اللحظة.. وقفنا فيها ذات يوم متطلعين إلى الحياة برغبة تزينها ألوان الطيف الزاهية.. وإلى المستقبل بنظرة كل الأحلام فيها مشروعة.. وكل الأبواب فيها للآمال مشرعة.. أما الطموح فلا حدود لامتداده ولا سقف لارتقائه. تأتي لحظة كهذه لترفع عن كواهلنا عبئاً لذيذاً.. وتضع على هذه الكواهل أعباء ألذّ.. فأعباء الأبناء وحدها فقط هي أجمل ما نتجشم من أعباء الحياة، ونستزيد منها في متعة ليس أروع منها سوى رؤية هؤلاء الأبناء يكبرون أمام أعيننا.. ويعبرون مراحل العمر مرحلة بعد مرحلة.. ويحملوننا معهم إلى عوالم رحبةٍ من أحلامٍ ربما عجزنا عن تحقيقها لأنفسنا فتمنينا أن نراها تتحقق على أيديهم. لو لم نكن جزءاً من ذلك المشهد لما كان لأعيننا أن تصدق أن اولئك الشبان اليافعين وتلك الصبايا الجميلة التي كانت ترفل في الأثواب البيضاء الناصعة كانوا ذات يوم أجنة تحملها بطون الأمهات.. وكانوا صرخة تعلن الميلاد.. وكانوا أعيناً وآذاناً لا تعي ما حولها.. وكانوا أجساداً غضة تملأ البيوت صخبا.. وكانوا مدارس تعلمنا فيها كيف نقلق.. وعرفنا فيها كيف يبارح النوم العيون.. وكيف يعانقها الفرح.. وأدركنا معها معنى اللذة والألم. ولكنها حقيقة لا تقبل الجدل.. تلك التي رأيناها ماثلة أمام أعيننا.. وعشنا تفاصيلها والورود الندية تتفتح على أغصان شجرة الحياة المورقة.. بعد أن تعهدتها أيدٍ كريمة بالرعاية والعناية والحنان والتربية.. ثم أمدتها بمختلف العلوم كي تعدها لخوض غمار الحياة واثقة من نفسها.. ضاربة جذورها في تربة قوامها الأخلاق والمثل والقيم.. وماؤها الايمان والعقيدة.. وهواؤها بيئة صحية سليمة أتاحت لها أن تملأ صدورها بعبير الحرية المسئولة التي زرعتها في نفوسها لتحمي دواخلها من عوامل الوهن.. وتحمي ظواهرها من أقنعة الزيف.. في عصر تحطمت فيه كل القيود وأزيلت كل السدود.. وغدا العالم أشبه ما يكون ببيت من زجاج.. الخبر فيه مذاع.. والسر مشاع.. وأخشى ما نخشى فيه على فلذات أكبادنا من الضياع. في لحظة أشبه ما تكون بالحلم.. اكتظت القاعة بالمئات من الحضور.. وكان المشهد مغرياً بالتأمل والصورة جديرة بالتمعن.. كانت المسافة واضحة الأبعاد محددة الملامح بين جيلين بينهما من التقارب مقدار ما بينهما من التباعد! جيل يرى غرسه وقد أينع وازدهى وسرت في أوصاله مياه الحياة فأكسبته رونقاً ليس أقدر على مده به من روح الشباب الريان ومائه الدافق.. وجيل يرى المستقبل أمامه عريضاً بحجم اتساع الافق وانفتاح فضائه. في لحظة كهذه.. انشغلت الأذهان وتزاحمت الأفكار وتواردت الخواطر.. لم يذهب عبثاً ما اجتهد الأهل في غرسه ورعايته سنواتٍ عبرت كالطيف.. وها هم اليوم قد أتوا ليعبّروا عما تحمله نفوسهم من عرفان للأيدي التي ساهمت معهم في الغرس وروت ورعت هذه النبتة الطيبة حتى أينعت.. وللقلوب الكبيرة الرحيمة التي احتضنت معهم الأبناء وأغدقت الحب والحنان فما بخلت.. وللعقول المستنيرة التي أضاءت لهم الطريق ونصحت ووجهت وأرشدت فما ادّخرت.. ولمن وقف وراء هذا الانجاز العظيم وبالعهد أوفى وكفّى. في لحظة كهذه أيضا.. كان الجانب الظاهر من الصورة يحمل ملامح جيل مقبل على الحياة بنظرة مختلفة وفكر يعانق الآتي متحرراً من كل خلفية محاولاً التخلص من إرث هو جزء من ماضٍ لا يتحمل تبعاته. نجتهد في التفكير لهم ويطلبون منا أن نريح أنفسنا من هذه المهمة. هذا جيل تفتحت مداركه على نمط من الحياة لم نستطع حتى الآن أن نأقلم أنفسنا معه، وإن كنا نحن منْ عمل على توفيره له. يناقشون في أدق التفاصيل وكثيراً ما تكون وجهة نظرهم هي الأوجه والأصوب.. نكابر أحياناً ونركب رؤوسنا متمسكين بآرائنا ثم ما نلبث أن نرضخ طائعين عن طيب نفس فنحن الذين اخترنا لهم أن يتلقوا هذا النوع من التعليم.. ونحن الذين ارتضينا لهم أن يتعاملوا مع أدوات العصر.. ونحن الذين فتحنا أمامهم مواقع الانترنت وجلبنا لهم المحطات الفضائية داخل البيوت.. فكيف نأتي اليوم لنقول لهم إن كل ذلك خطأ جسيم وإثم عظيم وسلوك غير قويم؟! تتوالى فقرات الحفل وتأتي اللحظة الحاسمة.. تتردد في القاعة أسماء نحن الذين اخترناها وسجلناها في شهادات الميلاد وبطاقات الهوية وجوازات السفر.. تتسارع نبضات القلب.. وتغرد أطيار الحب.. تضج القاعة بالتصفيق والنشوة.. تتجاوب كل الأركان مع الفرحة.. تختزل مسافات العمر.. ويصبح كل العمر هو اللحظة في تلك اللحظة. تخرج من كل ذلك بشعور آخر وأسئلة تطرح نفسها عن حجم النجاح الذي حققت خلال ما قطعت من الرحلة، وهل كان الاستثمار في قطاع الأبناء مربحا بمعايير أخرى غير معايير التجارة المعروفة؟ تسأل نفسك عن المواقع التي حالفك فيها التوفيق وتلك التي أخفقت فيها. تبحث لنفسك أيضا ـ وليس أمامك سواها ـ عن أعذار تلصق بها جوانب نقص لم تستطع سدها وسلبيات لم تستطع تلافيها. تتمنى في لحظة من اللحظات لو أن الزمان قد عاد بك إلى الوراء كي تقوّم سلوكاً لم تقوّمه في حينه، أو تعيد اتخاذ قرار جانبك الصواب في اتخاذه.. ثم تقول لنفسك: هيهات. وأخيراً تقرر أن تنقل لأبنائك خبرة حياة ربما لا تكون مهمة في نظر الغير، ولكنها في نظرك الحصاد الذي جنيته عبر مسيرة كان هؤلاء الأبناء شركاء فيها.. وكانوا شهوداً عليها، وستبقى العامل الأهم الذي شكّل وجدانهم شاؤوا ذلك أم أبوا.. اعترفوا بذلك أم انكروا.. تمسكوا بذلك أم تنصلوا. ثم يبقى السؤال الأهم الذي ستظل تطرحه على نفسك: هل ترى نفسك فيهم بعد كل هذا العناء؟! قليل هم الذين سيجيبون بالنفي.. فإلى أي مدى تتمنى أنت أن تكون من الفريق الآخر؟ إلى آخر مدى يمكن أن يصل إليه شعور أب أو أم يقف لهما في مثل هذا اليوم أبناء يتسلمون شهادة وينهون مرحلة دراسية أيّاً كان نوعها. إلى المدى الذي ينسيك كل متاعب الرحلة وهمومها وتقلبات أحوالها.. ويرسم على وجهك ابتسامة هي أجمل ما زرعت في البستان من زهر.. وأغلى ما جنيت من رحلة العمر وأبقى ما كتبت على جدار الدهر.