كيف نصنف فيصل الحسيني الذي انتقل الى جوار ربه فجر الخميس الماضي؟ ما لا خلاف عليه هو انه، رحمه الله رحمة واسعة، كان مناضلا نظيفا كرس عمره السياسي بأكمله من اجل فلسطين والقدس متميزا باستقامة ونزاهة قل نظيرهما. ومع ذلك لم يسلم فيصل الحسيني من النقد. لكن حتى اشد منتقديه تطرفا وتجريحا لم يشككوا الا في نهجه. فمع احترامهم لوطنيته كانوا يرون في نهج «الاحتجاج السلمي» توجها سلبيا. لكن اسلوب الاحتجاج السلمي ليس علامة ذاتية انفرد بها الحسيني. فهو ثقافة نضالية لجيل كامل من النضاليين الفلسطينيين منذ أواخر اربعينيات القرن الماضي، وتبلورت تنظيميا في عقد الخمسينيات حين انشيء تنظيم «فتح» في الكويت بقيادة ياسر عرفات. ورغم ان نهج الكفاح المسلح فرض نفسه في النصف الثاني من الستينيات بعد قيام التنظيم المظلي الذي جمع «فتح» مع فصائل اخرى تحت اسم منظمة التحرير الفلسطينية لفترة قصيرة الا ان تاريخ النضال الفلسطيني بعد تلك الفترة وحتى توقيع اتفاق اوسلو في عام 1993 ظل يغلب عليه نهج المساومات السياسية (اذا استثنيا تورط المنظمة في الحرب الاهلية اللبنانية ومغامرات الاختطاف والاقتتال ضد الاسرائيليين). ورغم ان علاقة فيصل الحسيني مع عرفات ظلت وثيقة على طول الخط بالمعنيين السياسي والشخصي إلا أنه من غير الانصاف ربط الحسيني بنهج المساومات والمناورات والابتزاز والسلوك المسرحي.. مما تورطت فيه قيادة المنظمة. كان الحسيني اولا ذا طبيعة مثالية، وثانيا ألزم نفسه بالبقاء داخل الارض المحتلة يمارس النضال من قاعدة موطنه الصغير ـ مدينة القدس فلم ينله ما نال معظم القياديين الآخرين في تنقلهم من عمان الى بيروت الى تونس. وفي كلمة واحدة كان فيصل الحسيني اقرب الى طراز المهاتما غاندي من طراز ياسر عرفات. لكن الانتفاضة الفلسطينية الاولى التي اندلعت في النصف الثاني من الثمانينيات فاجأت الحسيني بقدر ما فاجأت عرفات. كان فيصل الحسيني معتقلا داخل زنزانة في سجن الرملة في اسرائيل عندما بدأت الانتفاضة في أواخر عام 1987. ولفترة ما لم يكن يصدق ما كان يطالعه في الصحف من اخبار الغضب الشعبي الفلسطيني العارم. كان يسائل نفسه كيف يمكن ان يحدث هذا؟ فلم يكن واردا حتى في احلامه ان يتجاوز الشعب الفلسطيني مظاهرات الاحتجاج السلمية ليتبني نهج العنف الجماعي. وظل هكذا لا يصدق ما كان يجري خارج اسوار السجن الى ان سمح لأسرته بزيارته فقدموا له صورة مفصلة للاوضاع الدرامية. ومع ذلك لم تتغير ذهنية فيصل الحسيني النضالية كثيرا. ورغم انه لم يشارك في التدابير السرية التي ادت الى دخول عرفات في اتفاق اوسلو مع الاسرائيليين الا انه لم يبد معارضة ناشطة ضد هذا الاتفاق وما جر من تداعيات كارثية على قضية الحق الفلسطيني. لكن الحسيني لم يبع نفسه في يوم من الايام. وهذا مما يفسر لنا لماذا ظلت اجهزة الامن الاسرائيلية تودعه الاعتقال من حين لآخر لادراكها ان كلمته من فرط صدقها وجديتها تحظى بتجاوب الجماهير. وسواء صحت انتقادات المنتقدين لسلبية نهج الاحتجاج السلمي او لم تصح فإن مما لا شك فيه ان تراكمات آثار المظاهرات والمواكب التي كان يقودها الحسيني كانت من العوامل التي اسهمت في انطلاق الانتفاضة الثانية التي دخلت الآن شهرها التاسع. ورحم الله فيصل الحسيني الذي رحل عن 61 عاما وهب معظمها لنضال نظيف.