من الخرافات واسعة الانتشار التي نجحت الدعاية الصهيونية في الترويج لها في العالم بأسره، والتي يصدقها الكثيرون في العالم العربي نفسه بمن فيهم المثقفون تلك الخرافة القائلة بأن قوات عصابات المستوطنين الصهاينة قليلة العدد والعتاد تمكنت من هزيمة سبعة جيوش عربية مجتمعة، فضلا عن الفلسطينيين، فيما يسمى (بحرب الاستقلال) عام 1949 ويفسر دعاة الصهاينة هذا الانتصار بحسن تنظيمهم، و(شجاعتهم) و(عمق ايمانهم بعدالة قضيتهم)!! ويطلقون لخيالهم العنان فيستحضرون أساطيرهم التوراتية، مشيرين الى انتصار داود الصغير على العملاق العربي (جوليات).. الخ الخ. لكن الجانب الأهم في تلك الأسطورة هو تأكيدهم لما يزعمون انه (التفوق الاسرائيلي أو اليهودي) على العرب، الذين لا يعرفون كيف يقاتلون رغم تفوقهم الكمي في العدد والسلاح!! وهل هناك دليل على ذلك أكثر من انتصار عصابات المستوطنين الصهاينة على سبعة جيوش عربية بقضها وقضيضها عام 1948؟ ثم يمد الصهاينة تلك الخرافة عبر التاريخ اللاحق للصراع العربي الإسرائيلي، مؤكدين حتمية انتصار الجيش الصهيوني (الذي لا يقهر)!! في أية حرب مع العرب، طامسين عن عمد كل الملابسات والظروف الملموسة للمعارك والحروب التي دارت، ومتجاهلين بالطبع تلك المعارك التي ذاقوا فيها طعم الهزيمة من معركة الكرامة (1968) الى حرب أكتوبر (1973) الى الجنوب اللبناني، سواء على أيدي قوات فدائية أو نظامية عربية. والأخطر من ذلك أن بعض (دعاة السلام) العرب يصدقون خرافة التفوق الاسرائيلي الحتمي، وعدم قدرة شعوبنا على الانتصار على العدوان، فيروجون للاستسلام للدولة الصهيونية، تحت رايات (الواقعية) وأخذ مايمكننا اخذه مادمنا نواجه الهزيمة في كل حرب!! فهل صحيح أن قوات (العصابات الصهيونية قليلة العدد والعتاد) تمكنت من هزيمة سبعة جيوش عربية 1948، رغم تفوق الأخيرة في العدد والعدة؟؟ وهل صحيح أنه كان هناك سبعة جيوش عربية أصلا حاربت في فلسطين عام 1948. الصهاينة.. متفوقون عدديا! الواقع الذي نجح واضعو الخرافات الصهاينة في تزييفه، والذي لا يعرفه الا القليلون في عالمنا العربي، والذي تؤكده تقارير رسمية غربية هو أن القوات الصهيونية كانت متفوقة تفوقا ساحقا على القوات العربية (المقاتلة) في فلسطين عام 1948 ليس فقط في التسليح والتدريب والتنظيم.. وانما ايضا.. في العدد. نعم.. كانت قوات الصهاينة متفوقة تفوقا عدديا ساحقا على (الجيوش) العربية السبعة.. والمتطوعين العرب.. والمقاتلين الفلسطينيين النظاميين والفدائيين مجتمعين. ويشير تقرير أعدته لجنة تحقيق أمريكية بريطانية زارت فلسطين أواخر عام 1948 (أي قبل عام ونصف من حرب 1948) الى أن عدد القوات اليهودية المنظمة يقدر بنحو خمسة وستين 65 ألف مقاتل جيدى التدريب والتسليح، بينهم ستة وخمسين 56 ألفا في صفوف (الهاجاناة) ونحو ستة 6 آلاف من القوات المدربة على العمليات الخاصة والقتال الليلي (الصاعقة أو المغاوير)، والباقون في عصابات وتنظيمات عسكرية أخرى. وأشار احصاء الوكالة اليهودية، في ذلك الوقت الى أن عدد الذكور اليهود القادرين على حمل السلاح (من 16 ـ 56 سنة) يبلغ نحو (186) ألفا جرى التوسع في عمليات التدريب والتجنيد من بينهم عشية قرار التقسيم عام 1947. وفور صدور القرار دعت (الهاجاناة) الى التجنيد الاجباري كل الشباب اليهود الذين تتراوح اعمارهم بين (17 و25) عاما. وذلك بالطبع غير المتطوعين الذين أخذ عددهم يتزايد مع اقتراب المعركة الفاصلة، ليبلغ عدد المقاتلين الصهاينة المنظمين أكثر من مئة (100) ألف. وفضلا عن التدريب والتنظيم الجيد والخضوع لقيادة مركزية موحدة، فقد كان هؤلاء المقاتلون مسلحون تسليحا ممتازا، ليس بفضل ماحصلوا عليه من الخارج ومن الانجليز فحسب، بل وأيضا بفضل صناعة السلاح تمكنوا من تطويرها في المستعمرات الموجودة في فلسطين نفسها. وشير التقارير الغربية الى أن القوات الصهيونية كان لديها غداة صدور قرار التقسيم (1947): 754 مدفع هاون من عيار بوصتين وثلاث بوصات. 16 مدفعا مضادا للدبابات. 932 مدفعا رشاشا (مدافع ماكينة) 3632 رشاشا. 53000 قنبلة يدوية. 17502 بندقية فضلا عن كمية هائلة من المسدسات، والذخيرة لكل هذه الاسلحة، وفضلا عن وجود عدد من الدبابات والعربات المدرعة. وعقب صدور قرار التقسيم ومع اتضاح قرب المعركة الفاصلة اصدر بن جوريون أوامره لصناعة السلاح اليهودية المحلية (في المستعمرات) بإنتاج: 20 ألف بندقية. 10 آلاف رشاش. 10 آلاف مسدس. 4.5 ملايين طلقة. كما تم في 15 يناير عام 1948 توقيع صفقة لشراء أسلحة تشيكية لحساب (الهاجاناة) تتضمن: 24.5 ألف بندقية. 5021 رشاشا. 46 مليون طلقة ذخيرة. هذه هي الصورة العامة لعدد وتسليح القوات الصهيونية عشية اندلاع حرب 1948، والتي ما ان اندلعت حتى جندت الحركة الصهيونية كل قواها لمد مقاتليها في فلسطين بمزيد من الأسلحة الأحدث والأقوى كالطائرات والمدرعات. فكيف كانت الصورة على الجانب العربي؟؟ مقاتلون.. بلا سلاح!! على الجانب العربي كانت الصورة محزنة حقا سواء قبل 1948، أو بعد اندلاع الحرب ودخول (الجيوش) العربية الى فلسطين.. وبالرغم من المقاومة الباسلة التي أبداها الفلسطينيون، فإنهم كانوا وحدهم على مدى نحو ثلاثين عاما، في مواجهة الحركة الصهيونية المنظمة والمسلحة جيدا، وقوات الاحتلال البريطاني التي كانت توجه آلة قمعها الى الشعب الفلسطيني، وتصادر أسلحة مناضليه على قلتها وتنزل بهم أقسى العقوبات اذا ضبطت لديهم أى سلاح. وكان نقص السلاح والأموال اللازمة لشرائه مشكلة عسيرة فرضته لدى المقاتلين الفلسطينيين، الذين كان عددهم يقدر بالآلاف، لكنهم كانوا يعانون من عدم وجود قيادة موحدة، ومن غياب الدعم العربي والاسلامي. والواقع ان مأساة فلسطين تعود في جانب بالغ الاهمية منها الى ضعف الاهتمام العربي بها لوقت طويل، حتى (اتسع الخرق على الراقع) كما يقولون. وهذه مسألة سنجيء الى مناقشتها فيما يلي من مقالنا. وحسبنا هنا أن نشير الى أن أول شكل للاهتمام العربي المنظم نسبيا بدعم المقاتلين الفلسطينيين مواجهة العدوان الصهيوني كان (اللجنة العسكرية الدائمة) التي انشأتها الجامعة العربية لتدريب المتطوعين لنصرة فلسطين، بعد ما أعلنت بريطانيا انها ستنهى انتدابها بحلول 15 مايو 1948. وكانت الميزانية الاولية المعتمدة (اللجنة العسكرية الدائمة) مليون جنيه!! تمت زيادتها فيما بعد الى مليونين ثم مليونين ونصف من الجنيهات!! بينما كانت الحركة الصهيونية، في الوقت نفسه، تعلن عن حملة لجمع تبرعات قيمتها 250 مليون دولار من يهود الولايات المتحدة وحدهم!! وحينما أرادت اللجنة العسكرية الدائمة تسليح المقاتلين الفلسطينيين والمتطوعين العرب لنصرتهم، فإنها اتخذت قرارا بشراء 10 عشرة آلاف بندقية فقط لا غير!! ومعها ذخيرة بواقع 500 طلقة لكل بندقية.. أى ما يمكن أن يطلق المقاتل في اشتباك واحد!! وكان مقررا أن يتم شراء هذه البنادق بواقع 2000 بندقية لكل من مصر وسوريا والسعودية والعراق و(1000) بندقية لكل من لبنان وشرق الأردن. وبالرغم من ضآلة عدد البنادق وكمية الذخيرة، فإن ما تمكنت اللجنة العربية من إرساله إلى فلسطين حتى أواخر فبراير عام 1948 كان نحو (1700) بندقية، ونصف مليون طلقة فقط ! ويروي الباحث الفلسطيني المرموق د. وليد الخالد بمرارة، كيف أن قائد المقاومة الفلسطينية الشهيد عبد القادر الحسيني أضطر إلى مغادرة ميدان القتال ليسافر بنفسه إلى مقر اللجنة العسكرية الدائمة في دمشق طلبا للسلاح والذخيرة، قبيل استشهاده في معركة (القسطل) في أوائل إبريل عام 1948. كما يروي الخالدي بنفس المرارة قصة استقالة اللواء اسماعيل صفوت قائد اللجنة المذكورة بعدما تمكن منه اليأس من قيام الأنظمة العربية بإمداد المقاتلين في فلسطين ولو بأقل القليل من احتياجاتهم من الأسلحة والذخيرة. ويشير تقرير للواء إسماعيل صفوت قبل استقالته في أوائل مايو 1948 إلى أن عدد المتطوعين العرب الذين تم تدريبهم حتى أواخر مارس عام 1948 بلغ (5200) متطوع، تم إرسال (4000) منهم فقط إلى فلسطين بسبب نقص السلاح والذخيرة والإمكانيات المادية.. وبينما كان هناك عشرات الآلاف من الفلسطينيين المستعدين للإنخراط في القتال، فإن أغلبهم لم يتمكن من المشاركة في المعارك بسبب نقص الأسلحة. أما (جيش الإنقاذ الفلسطيني) المنظم فقد كان عدده يبلغ (2500) رجل فقط وفقا لتقرير اللواء صفوت المشار إليه يعانون بدورهم من نقص السلاح والذخيرة، فضلا عن قصور النفقات الضرورية اللازمة للاحتفاظ بقوات نظامية، والتي كان تدبيرها أمرا شديد الصعوبة بالنسبة للفلسطينيين. أي أنه في مواجهة (100) مئة ألف مقاتل صهيوني ذوي مستوى عال من التسليح والتدريب والتنظيم لم يكن هناك حتى مايو 1948 سوى 2500 جندي نظامي في (جيش الإنقاذ الفلسطيني وعدة آلاف من المقاتلين الفلسطينيين (الفدائيين)، وأربعة آلاف من المتطوعين العرب.. كلهم يعانون من نقص فادح في الأسلحة والذخيرة، فضلا عن بساطة أسلحتهم وتخلفها قياسا إلى ما كان لدى الصهاينة.. بينما يوجد عشرات أو مئات الآلاف من الفلسطينيين المستعدين للقتال، ولكن ليس لديهم من أدواته إلا قبضاتهم العارية، أو فئوسهم ومفاجلهم وسكاكينهم. ثم جاءت (الجيوش) ثم.. جاءت (الجيوش) العربية بعد إعلان (دولة إسرائيل) في 15 مايو 1948 جاءت متأخرة كثيرا بعد أن كانت القوات الصهيونية قد استعدت جيدا، واستكملت تسليحها، وسيطرت على أهم المواقع الاستراتيجية في فلسطين. والمؤسف أن بدء دخول (الجيوش) العربية إلى فلسطين لم يؤد إلى تغيير جدي في موازين القوى العسكرية، ولم يكن من شأنه أن يؤدي إلى مثل هذا التغيير في ظل الظروف المحددة التي تم في إطارها دخول تلك القوات، وذلك للأسباب التالية : 1- القوات العربية التي دخلت فلسطين لم يتعد عددها بضعة آلاف. ولم تكن (جيوشا) بالمعنى المألوف للكلمة، وكما جرت العادة على القول. وعلاوة على ذلك فقد كان تسليحها سيئا بصورة محزنة، فضلا عما تردد وقتها حول صفقات الأسلحة الفاسدة. 2- معروف أن أغلب (الجيوش) العربية كانت حديثة التكوين، منعدمة الخبرة تقريبا، أو كليا بفنون القتال الحديث وتشكيلها موجه أساسا لحماية الأنظمة القائمة أو حراسة الحدود، وليس لخوض عمليات قتالية. ولا يعني ذلك إطلاقا التقليل من بطولة جنود وضباط هذه القوات وبسالتهم في المعارك التي خاضوها. لكن الحديث يدور هنا عن القدرة القتالية وليس عن البطولة. 3- لم يكن لدى هذه القوات خطط للقتال في فلسطين، أو خبرة بمسارح العمليات العسكرية فيها، وفضلا عن ذلك فقد جاءت متأخرة للغاية، بعد أن كانت القوات الصهيونية قد رتبت أوضاعها جيدا، واحتلت مواقع استراتيجية حاكمة. 4- والأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك هو أن هذه (الجيوش) لم تكن لديها قيادة موحدة من الناحية العملية تقوم بتنسيق عملياتها في جبهات القتال المختلفة. وما يشبه أن يكون (قيادة عمليا) كان لواؤها معقودا للملك عبد الله، ملك الأردن. والأدهى والأمر أن الشخص المسئول مباشرة عن القيادة العامة للقوات العربية، كان الجنرال (جلوب) الإنجليزي، قائد (الجيش) الأردني !! وهذا الجانب المظلم من التاريخ العربي معروف جيدا، فلا نرى ضرورة للخوض في تفاصيل لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن الحديث بصورة جدية عن (جيوش) عربية قاتلت وهزمت في فلسطين؟؟! ـ كاتب مصري