مهما كانت الإتهامات التي حوكم بسببها المفكر المصري الدكتور سعد الدين إبراهيم وأدين، فإن المهانة الحقيقية للرجل أن يكون المدافع عنه هو السفاح شارون الذي عبر عن (صدمته) للحكم الذي صدر، وإنزعاجه على حقوق الإنسان في مصر !! ومهما كان الحكم الذي صدر بحق الرجل قاسيا، فإن الأقسى منه أن يصبح قاتل الأطفال هو محاميه، وأن يتصور شارون أنه أمام فرصة يستطيع فيها استغلال قضية سعد الدين إبراهيم لتجميل وجهه القبيح، والظهور بمظهر من يحترم حقوق الإنسان التي يمتهنها السفاح كل يوم على أرض فلسطين .. وهو يقصف المدنيين بالطائرات الحربية ويشن حربه القذرة لإبادة الشعب الفلسطيني، ويؤكد في كل يوم أن قاتل الأطفال وذابح الأسرى كما هو، ولذلك إختاروه رئيسا لحكومة تعمل بمنطق العصابات وتتفوق بإرهابها على النازية في أحط مراحلها. وبعيدا عن شارون وتدخله الوقح المرفوض جملة وتفصيلا، وبعيدا عن الحملة الإعلامية الأمريكية التي تستغل أن الدكتور سعد الدين إبراهيم يحمل الجنسية الأمريكية بجانب جنسيته المصرية فتصور الأمر على أنه إنتقام سياسي من مصر ضد الإدارة الأمريكية، وإنتظارا لحكم نهائي من محكمة النقض يعول عليه المحامون في إنقاذ سعد الدين إبراهيم من السجن، وبعيدا عن تفاصيل القضية وحقيقة الإتهامات الموجهة للرجل.. فإن المحاكمة والإدانة تكشفان الكثير من مواضع الخلل في الجهود المبذولة من أجل تنمية المجتمع المدني بكل تنظيماته ومؤسساته، وتسلطان الأضواء على مشكلات هامة برزت على السطح وأصبحت تهدد البحث العلمي والتنظيمات المدنية من ناحية،واستقرار الوطن وأمنه القومي من ناحية أخرى. ماذا وراء التمويل الأجنبي ؟ المشكلة الأولى هي مشكلة التمويل الأجنبي للجمعيات المدنية وفي مقدمتها جمعيات حقوق الإنسان.. وهي مشكلة بدأت منذ ما يقرب من ربع قرن ولم تقترب منها الحكومة إلا في العامين الأخيرين.وقد بدأ الأمر على غير المألوف بالبحث العلمي حيث انهمرت ملايين الدولارات على بعض الباحثين الكبار منذ منتصف السبعينات لعمل مشروعات بحثية خاصة لحساب جهات أجنبية، وإنفجر الوضع في بداية الثمانينيات عندما تم الكشف أن معظم هذه الأبحاث يتم بدون رقابة حقيقية من الدولة، وبدون إشراف أو مشاركة من المؤسسات العلمية المصرية، وأن هذه الأبحاث امتدت لتشمل جوانب اجتماعية وثقافية وأمنية. ولأهداف ليست بريئة ولا واضحة، وظهر أن هناك تركيزا لاختراق الكوادر البحثية الممتازة ومحاولة استمالتها للجهات التي تنفق على المشروعات ببذخ شديد، كما ظهر أن هناك تركيزا على قضايا خطيرة.. فبجانب جمع كل المعلومات التي يمكن استغلالها للإضرار باقتصاد البلاد وأمنة، ثم بذل جهود لدراسات عن جماعات التطرف التي تستغل الإسلام، وعن أوضاع الأقباط، وعن أهالي النوبة التي تحاول هذه الجهات تصويرها كأقلية مقهورة وليس كجزء أصيل من شعب مصر. وبعد البحث العلمي، بدأ التسلل إلى ما سمي بتنظيمات المجتمع المدني. وبدأ التركيز على جماعات حقوق الإنسان التي تعددت وتكاثرت سعيا وراء التمويل المتاح بسهولة بالغة من المنظمات الأجنبية ورغم أن المنظمة الأم (وهي المنظمة العربية لحقوق الإنسان) التزمت برفض التمويل الأجنبي واعتمدت على مساهمات أعضائها والمتعاطفين معها من المواطنين (وليس الحكومات) العرب، فإن باقي المنظمات لم تسر في هذا الطريق، وكانت النتيجة ضررا بالغا بحركة حقوق الإنسان بعد أن أحاطت الشبهات والإتهامات بالعديد من الجماعات المشتغلة بها. فقد اتهم العديد من المسئولين عن هذه الجماعات بالتربح من هذه المنظمات، وأحاطت الشكوك بمصير أموال المعونة الأجنبية لها، كما أحاطت الشكوك بنشاط العديد من هذه التنظيمات وبمصداقية البيانات الصادرة عنها، وبالأولويات التي تركز جهودها عليها. وإنفجر الموقف حين دعا الدكتور سعد الدين إبراهيم لمؤتمر يعقد في القاهرة ويبحث مشاكل الأقليات في العالم العربي، ووضع أقباط مصر من بين هذه الأقليات. وهو وضع يرفضه المسلمون والأقباط في مصر حيث يسود نسيج وطنى واحد يجمع المسلمين والأقباط معا حيث يتشاركون في كل شيء.. الثقافة والعادات والتقاليد واللغة وحيث حارب الجميع معا ضد المعتدين من الصليبيين وحتى الصهاينة وتعانق الشهداء من المسلمين والأقباط. وحيث رفض الأقباط كل المحاولات التي بذلها الاحتلال الإنجليزي لاستمالتهم، ورفضوا بعد ذلك أن تكون لهم نسبة من الوظائف أو المقاعد في البرلمان وأصرّوا على أنهم والمسلمون في مصر شركاء في وطن واحد، ومواطنون لا ينقسمون لأغلبية وأقلية. الغضب الوطني أغلق الطريق على سعد الدين إبراهيم فإنتقل بمؤتمره إلى خارج مصر، وآثار الواقعة تفاعلت بعد ذلك مع استياء حكومي من موقف بعض المنظمات في فترة التوتر التي شهدت تصاعد عمليات العنف من جماعات التطرف التي تدعي أنها تمارس عنفها بإسم الإسلام. وإنتهى الأمر بقانون الجمعيات الأهلية الذي أخضع منظمات حقوق الإنسان لأحكامه والذي أثار ضجة انتهت بتعديلات هامة ولكنها أبقت على إخضاع التمويل الأجنبي لهذه المنظمات لرقابة الدولة. وكان القانون قد نظم قبل ذلك مسألة المعونات التي تقدم للبحث العلمي وأخضعها لرقابة مماثلة. ومازالت قضية التمويل تتفاعل وإحدى التهم التي وجهت لسعد الدين إبراهيم هي مخالفة القواعد الخاصة بضرورة حصوله على موافقة الدولة على تمويل مشروعاته وبعض المنظمات أغلقت أبوابها والبعض الآخر حد من نشاطه، ومازال الكثيرون يعترضون ويطالبون بحرية الحصول على التمويل الأجنبي، ومازال آخرون يطالبون ببحث كيفية توفير التمويل المطلوب محليا للابتعاد عن الشبهات وإمتلاك حرية التحرك خاصة وأن العديد من المنظمات الأجنبية التي تتولى التمويل لم تعد علاقتها بالمخابرات الأمريكية تخفى على أحد! الجنسية المزدوجة. ومخاطرها مشكلة أخرى تثيرها قضية سعد الدين إبراهيم.. فالحملة الاعلامية التي تثيرها الصحافة الأمريكية ترتكز في جزء منها على الجنسية الأمريكية التي يحملها سعد الدين إبراهيم فتوجه سؤالا غاضبا : كيف تجرؤ مصر على أن تحاكم مواطنا أمريكيا وتحبسه ؟ وبغض النظر عن الغطرسة الأمريكية والوقاحة التي تتناول بها الموضوع والتي تسيئ لموقف سعد الدين إبراهيم بدلا من مساعدته، فإن ذلك يثير من جديد موضوع الجنسية المزدوجة الذي طفا على سطح الأحداث السياسية مع إنتخابات مجلس الشعب الأخيرة، حين شهد القضاء عدة دعاوى تطالب باستبعاد بعض المرشحين لأنهم يحملون جنسيات أخرى بالإضافة إلى الجنسية المصرية، وقد أنكر معظمهم ذلك ولكن المليونير رامي لكح الذي أشتهر بأنه أكبر مدين للبنوك المصرية أقر بأنه يحمل الجنسية الفرنسية، ومع ذلك دخل الإنتخابات ونجح، وصدرت أحكام قضائية باستبعاده من مجلس الشعب الذي مازال يماطل في تنفيذ هذه الأحكام. وقد انقسمت الآراء بين فقهاء القانون والسياسيين حول هذه القضية. فالبعض قرر أن القانون حدد شروط الترشيح لمجلس الشعب ولم يمنع أصحاب الجنسية المزدوجة من الترشيح. والبعض إتخذ موقفا معاكسا بالإصرار على منع أصحاب الجنسية المزدوجة من عضوية مجلس الشعب والمناصب الوزارية والهامة لأنهم يقسمون يمين الولاء للبلد التي يحصلون على جنسيتها.. فلمن يكون ولاؤهم لمصر أم للدولة الأخرى؟ وكيف يكون الأمر إذا تعارضت المصالح بين الدولتين؟ بل كيف يكون الأمر إذا كانت هناك حالات حرب أو عداء بين الدولتين؟ وكان طبيعيا أن يشتد الجدل مع ابناء عن حالات زواج بين شبان مصريين ويهوديات من إسرائيل قيل إنها بالآلاف وتبين أنها بضع عشرة حالة، ومع ذلك أثارت التساؤل، فهؤلاء يمكنهم الحصول على الجنسية الإسرائيلية بعد الزواج. فهل يسمح لهم بدخول مجلس الشعب أو تولي المناصب الوزارية؟ ! القضية فيما أظن محسومة، وأحكام القضاء لابد من تنفيذها، وأصحاب الجنسية المزدوجة لا ينبغي لهم أن يدخلوا مجلس الشعب أو يتولوا المناصب الهامة. ولكن النفوذ المالي لعضو مجلس الشعب من ناحية، والخوف من هروبه وضياع أكثر من مليار جنيه مديون بها للبنوك من ناحية أخرى، وربما علاقاته ببعض الدوائر الفرنسية.. كلها عوامل تؤجل إتخاذ القرار الضروري. وتجيئ قضية سعد الدين إبراهيم لتكشف الجزء الآخر من مشكلة مزدوجي الجنسية. فأمريكا توجه إنتقادتها للسلطات في مصر لأنها تعاملت مع مواطن أمريكي بطريقة لا توافق عليها واشنطن ، والخارجية الأمريكية تدخلت في مراحل سابقة من القضية ومارست ضغوطا كان من نتيجتها الإفراج عن سعد الدين إبراهيم مؤقتا بدلا من بقائه في الحبس الاحتياطي حتى صدور الحكم والمتحدث بإسم وزارة الخارجية في واشنطن قال بعد صدور الحكم إنهم يجمعون الحقائق حول القضية تمهيدا للتحرك لإطلاق سراح المواطن الأمريكي والرئيس مبارك رفض من جانبه أي ضغوط من هذا النوع، وأعلن أنه لا مجال لأي تدخل في أعمال القضاء المصري والمسئولون في مصر أكدوا أن سعد الدين إبراهيم حوكم باعتباره مصريا، ويخضع للقوانين المصرية، ولا مجال للحديث عن جنسيته الأمريكية في هذا المجال. ومع ذلك كله فما حدث ويحدث يؤكد الحاجة إلى حسم موضوع الجنسية المزدوجة وإذا كان البعض يرى أن احتفاظ المصريين في المهجر بجنسيتهم بعد حصولهم على جنسية الدولة التي هاجروا إليها يحافظ على روابطهم مع الوطن الأم، فإن البعض يؤكد على مخاطر الجنسية المزدوجة ويطالب بقطع الطريق ومنعها بعد ازدياد المخاطر الأمنية وغير الأمنية. فبالإضافة إلى مشكلة إسرائيل، هناك مشكلة المصريين المقيمين في مصر والذين يسعون للحصول على جنسية أخرى (أمريكية في الأساس) لتوفير بعض النفوذ أو تغطية بعض التصرفات، ويتصور هؤلاء أن إزدواج الجنسية يمكن أن يعيد (نظام الحماية) الذي كانت توفره الدول الأوروبية لرعاياها ليفعلوا ما شاءوا في مصر وهي تحت الاحتلال، ولا يدركون أن الأمور اختلفت والزمن تغير.. أم تراهم يدركون؟! إن (الموضة) في مصر وربما في بلاد عربية كثيرة بين الأثرياء الجدد ومشاهير المطربات والراقصات أن تذهب الواحدة إلى أمريكا وهي حامل في شهورها الأخيرة، وتعود من هناك ومعها الوليد والجنسية الأمريكية. البعض يفعل ذلك من بابا (المنظرة) أو التقليد، والبعض يفعل تحت وهم تأمين مستقبل الأولاد، والبعض يفعل طلبا للحماية وإمتلاكا للسلاح بفتح الأبواب المغلقة ويضفي الوجاهة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ويتيح الهرب بجواز سفر أمريكي بعد الحصول على بعض مئات من ملايين الدولارات من البنوك. المصرية طبعا !! وتبقى مأساة الرجل. وكم أرجو بعيدا عن الضغوط الخارجية المرفوضة أن ينجح الدفاع عن الدكتور سعد الدين إبراهيم في معركته القضائية، وأن يصدر حكم النقض لصالحه وأن تعاد المحاكمة أمام المحاكم العادية لتضع كلمة النهاية في هذه القضية. مع كل الثقة في أن كلمة القضاء المصري هي على الدوام عنوان الحقيقة. ومتى تندمل الجراح؟! الرحيل المأساوي للمناضل الفلسطيني، فيصل الحسيني أثناء زيارته للكويت يطرح السؤال القديم الجديد: أما آن للجرح الأليم أن يندمل؟ أم أن البعض مازال يصرّ على الوقوف عند لحظة واحدة في التاريخ ولا يريد أن يغادرها؟ لقد أرهقوا الرجل القادم وهو يحمل في قلبه مأساة مدينته ومدينتنا القدس الحبيبة بحديث عن ماض آن لنا أن نعبره ولسنا نقلل من الجرح الأليم الذي أحس به أهلنا في الكويت وهم يرون السلطة الفلسطينية تقف في الجانب الآخر، ولكن ما حدث قد حدث، والشعب العربي في فلسطين دفع الثمن، والحسيني لم يكن هو المسئول عنه، واستمرار القطيعة لم يعد ممكنا، وأهلنا في الكويت أول من يعرف ذلك ولهذا فتحوا قلوبهم للكثيرين ممن وقفوا مع الطرف الآخر في مأساة حرب الخليج، ولا أظن أن القلوب والعقول العربية أصبحت تحتمل موقف القطيعة بين الأشقاء بعد كل الثمن المؤلم الذي دفعته وتدفعه الأمة العربية.. استنزافا لمواردها، وابتزازا بدعوى حمايتها، وإنتهاكا لأرضها، وضياعا لحاضرها، وتهديدا لمستقبلها. الصفحة الأليمة يجب أن تطوى، والجرح آن له أن يندمل، ونداء القدس الأسيرة يجب أن يعلو فوق نداءات الثأر بين القبائل العربية، والمصالحة المطلوبة يجب ألا تنتظر موافقة واشنطن، وليكن رحيل الحسيني مقهورا على أرض الكويت هو نهاية المأساة.. يرحمه الله ويغفر لنا جميعا. ـ نائب رئيس تحرير اخبار اليوم المصرية