السفر إلى لبنان ولو ليوم واحد مغامرة في الزمن، وسير على عتبات التاريخ، وهي مغامرة تستحق العناء وسير يفضي بك من معرفة لأخرى، لذلك فكل الذين عرفوا لبنان الستينيات والسبعينيات عشقوه، وكل الذين يذهبون إليه اليوم أو سيذهبون إليه غداً سينتابهم شعور بالحب الغامر لهذا المشروع ـ الفكرة ـ البلد. في لبنان ساحل وسهل وجبل، لا يسير الانسان على تراب وحجارة، ولا يصادف انساناً يمكن نسيانه بسهولة، ولا يمر على الشوارع والمساجد والكنائس والبيوت والأزقة والضيع والمكتبات والجادات والأحياء هكذا مرور الكرام، انك اذ تنقل قدمك لتضع الأخرى أثناء تجوالك، يحكي لك مرافقك في كل خطوة تاريخاً من الأحداث والمصائب والأوجاع والمسرات، وحيثما تنقلت فلبنان حاضر أمامك في كل لحظة تاريخاً وأحداثاً وشخوصاً غيروا وجهه بأي شكل من الأشكال. في لبنان... الحرب ما زالت حاضرة في ذاكرة الانسان اللبناني البسيط، موظف الاستقبال، سائق التاكسي، عامل البناء، نادل المطعم، صاحب المكتبة، الصراف والمرأة العجوز التي تعبر أحد الشوارع الفرعية في حي (الحمرا) الشهير، الحرب ذاكرة ابناء لبنان، وحيثما لاحت احدى عمارات بيروت منهارة مليئة بآثار الرصاص.. ضجت الذاكرة وبدا محدثك وكأنه يهمس لنفسه بأسى: هذه هي الحرب.. الحرب التي نعانيها كل اليوم برغم زوالها وانتهاء أحداثها وأشباحها..» وفي لبنان خلفت الحرب، وصراع الطوائف، وسنوات المقاومة، وتاريخ الأحزاب والشخصيات والمصالح، وضعاً اقتصادياً قاسياً على الانسان اللبناني والمجتمع اللبناني، والبنى اللبنانية المختلفة، كما خلفت بطالة وعملة متدنية بشكل محزن، وشبابا محبطا مهجوسا بالرحيل والهجرة بحثاً عن مخارج ومنافذ، ولكنها خلفت أيضاً انساناً على قدر هائل من الوعي والمعرفة تعجب به كثيراً وتضيق به أحياناً حينما ينهال عليك الجميع بحديث السياسة والشأن اللبناني الذي يبدأ ويتفرع ولا يمكن الامساك بانفلاتاته العجائبية. الكل في لبنان سياسي أو مسيس أو منظر في السياسة أو محلل سياسي، الكل يعلم على وجه الدقة العلاقات وطبيعة المعادلة اللبنانية المعقدة، وما عليك سوى ان تسمع للكثير مما لا تعرف وللقليل الذي وصلك بشكل أو بآخر من اشكال المعرفة. وفي كل مرة تذهب فيها الى لبنان وتتسكع في مناطقها المختلفة وتتنقل بين احياء بيروت ستسمع عبارة: (هذه المنطقة كانت دماراً واليوم اعيد اعمارها) احياء كاملة، شوارع تجارية، ساحات، مساجد، كنائس، صفوف من العمارات والمساكن خلفتها الحرب دماراً وحطاماً، اليوم يحاول لبنان ان يعيد بناء نفسه وبرغم ان الكل قد صفى خلافاته على أرض هذا البلد الصغير، والكل قد تصارع عليه والكل كانت له معادلاته التي حاول ان يحلها او يزيدها تعقيداً هناك. الا ان اعادة تعمير لبنان هي مسئوليته ولابد ان يكون قادراً عليها ليعود لبنان جميلاً أخضر كما يتمنى هو ونتمناه نحن، ولبنان سيعود جميلاً لأن كل الدلائل، ومؤشرات الحركة، ومساعي الانسان اللبناني العاشق للحياة، والصامد دوماً برغم رماد البراكين والحروب والصراعات تقول ذلك بشكل واضح. لكن هل يعود لبنان اسطورياً وحلماً ومتنفساً وواحة وملاذاً للجميع؟ فتلك حكاية أخرى، تقولها السياسة وتتحكم فيها القوى الخارجية والداخلية، كما يقولها الاقتصاد والشركات العملاقة والمصارف الكبرى والتجار والشطَّار والمقاولون والمنتفعون والمزايدون واللاعبون على كل الحبال في كل الأزمنة. وكما تبقى فلسطين في البال أرضا خضيبة سليبة معمدة بدماء أبنائها الشهداء ومجللة بشرف المناضلين والمجاهدين والصارخين في وجه البربرية والنازية والقتلة، يبقى لبنان معنى آخر للجمال والحرية والارادة العنيدة.