عندما تتحدث تكنولوجيا القرن الحالي بلغة الزقزقة والأزيز والصفير والطنين، أو تنطق مترنحة على نغمات السلم الموسيقي مختزلة في ذلك روائع بيتهوفن وموزارت، وملايين الروائع الانسانية الأخرى في مجالات العلوم الانسانية والاجتماع والطب والفيزياء والطاقة النووية وغيرها فانها بذلك ترسم مجالاً آخر لما وصله الانسان وتواصل معه.. ورغم ذلك يظل هذا التسارع المثير في عالم التكنولوجيا مصدر قلق وتعب وضيق وخوف من غول المجهول. حتى ان اختصاصيين في العلاج النفسي وبالتحديد في الأمراض المتصلة بالقلق طالبوا بأهمية وجود علاج جديد يسمى علاج أمراض تحولات التكنولوجيا، مشيرين إلى أن العالم أصبح مثقلاً بمبتكرات التكنولوجيا حيث اصبح الخوف من افرازاتها بدأ ينتشر بشكل مذهل! وقال جونتر مرينج من خلال موقعه على الانترنت استناداً إلى خبرته في مهنة الطب في دوسلدورف بألمانيا إن الاعوام العشرين الماضية شهدت زيادة كبيرة في عدد المصابين بهلع مرضي بسبب المهنة أو التكنولوجيا، ويمكن ارجاع تزايد القلق أو الخوف التكنولوجي إلى تزايد انتشارها حتى أصبح لا فكاك منها. واشار الدكتور مرينج إلى ان الخوف من التكنولوجيا بدأ بما يعرف باسم الخوف من السلم الميكانيكي المتحرك وهو مصطلح يصف الأشخاص الذين لا يستطيعون التعامل مع السلالم المتحركة، حيث يتفادى هؤلاء زيارة المعارض التجارية التي يتعين عليهم فيها الوقوف على أسطح متحركة. ويرى هذا الطبيب الذي يمتلك عيادة خاصة للعلاج النفسي مند 30 عاماً ان ستين في المئة من مرضاه جاءوا إليه للشكوى من أمراض ترتبط بالقلق وأن ثلاثين في المئة من هؤلاء يواجهون مشكلات تتعلق بالتكنولوجيا. وفي الوقت الذي يطالب فيه أطباء الشأن النفسي باعطاء فسحة اجبارية للمتعاملين بالأجهزة التكنولوجية عن طريق قضاء أيام في اماكن طبيعية بعيدة عن المدينة يرى آخرون ضرورة تكييف التكنولوجيا واعطائها أدواراً أكبر، حيث دعا مقال نشر في مجلة «ساينس» العلمية إلى البدء في تصميم آلات تكنولوجية قادرة على التعلم واكتساب الخبرات بنفس الطريقة التي يتطور بها العقل البشري. ورغم أن تصميم مثل هذه الآلات التي تتمتع بما يسمى الذكاء الاصطناعي يعد مهمة عسيرة جداً إلا ان البروفيسور جويانج وينج استاذ علوم الكمبيوتر بجامعة متشيجان الأمريكية يقول انه قد حان الاوان للعمل على بناء آلات قادرة على اكتساب الخبرة واستغلال تلك الخبرة لتطوير أدائها أو اكتساب قدرات جديدة.. وهذا يعني تصميم جهاز كمبيوتر أو انسان آلي يمر بمراحل طويلة من التطوير الذاتي لقدراته اعتماداً على ما يتراكم لديه من خبرة، ودون أي تدخل خارجي، وهو ما يعني انتقال هذا النوع من الآلات من مرحلة الطفولة الى مرحلة النضوج. ويبدو ان هذا الطرح المثير راق لليابانيين فلم يكذّبوا خبراً، فما ان انتهى صاحبنا البروفيسور وينج من مقالته التي طرحتها مجلة «ساينس» العلمية حتى أعلنوا مؤخراً عن اختراع جهاز كمبيوتر يتمتع باحساس رقيق ومرهف يفوق احساس الفنانين والشعراء، فهو كما يشير هؤلاء ليس مجرد متلق لأوامر مستخدمه، بل يتفاعل معه، ويفهم حالته النفسية والمزاجية، فهو صديق وسمير يحزن لحزنك ويفرح لفرحك ويتفاعل معك.. ويميز هذا الجهاز الصديق، الحبيب، الودود، القريب، المثير، المتفاعل، الاشارات الصوتية الصادرة عنك كمستخدم، فهو مزود بأدوات تجعله قادراً على معرفة حالتك من خلال نبرة صوتك، أفرِحاً كنت أم حزيناً، غاضباً أم سعيداً! وأعرب باحثون عند تلقيهم النبأ عن اعتقادهم أن هذا الاختراع هو بداية عصر الكمبيوتر الحساس، حيث سيتيح قريباً طرح برامج يمكن أن تستخدم في كل الأجهزة تسمح لها بالتفاعل مع المستخدم ومعرفة حال مزاجه من خلال صوته، وهذا يعني ان الذين يطالبون بالبعد عن المجال الالكتروني سيجدون أنفسهم منغمسين فيه، خاصة أطباء الشأن النفسي الذين يعالجون أمراض الخوف من افرازات التكنولوجيا. ونعود من جديد الى دراسة المانية حديثة اظهرت ان الجيل الأصغر يرتبط بعلاقة أكثر ايجابية مع التطورات التكنولوجية باستثناء التطورات في مجال الطاقة النووية المثير للجدل، اضافة الى ان عدد النساء اللائي يعانين من مخاوف مرضية من التكنولوجيا يفوق عدد الرجال نظراً لطبيعتهن المحافظة. وأشارت الدراسة إلى ان 71 في المئة من الأسر التي تنتمي للطبقة الوسطى في غرب ألمانيا تمتلك أجهزة فيديو لا تمتد إليها أيدي النساء في الغالب واذا استخدمت النساء هذه الأجهزة بطريقة غير صحيحة فان الرجال في الأسرة يؤنبونهن بقسوة، بينما تفضل النساء كما تشير الدراسة ولادة اطفالهن في المنزل حالياً لأنهن يفضلن بيئة غير فنية يمكنهن فهمها. حتى مصممو المطابخ استجابوا للمخاوف المرضية من استخدام الاجهزة بالعودة إلى تصميمات بسيطة للأدوات لكي تستخدمها النساء، وكأن الغول التكنولوجي واقف فاتحاً فمه كي يلتهم البساطة وراحة البال، وكل شيء بثمنه، فاذا أردت شيئا، ففي المقابل يجب ان تترك أشياء.. وهكذا جيل الانسان منذ الخليقة يبحث عن الراحة فيجلب الخوف دائماً، الا ان خوف الزمن الحالي خوف من نوع آخر.. انه خوف على أنغام الموسيقى!