لست هنا في سبيل البرهنة على فوائد الديمقراطية وخصائصها المجيدة، لأن هذا بات أمراً معروفاً، ومن مكرور الكلام الذي لايختلف فيه إثنان، ويكفي القول، اختزالاً لكل الأفكار التي قد ترد الى أذهاننا بخصوصها، ان مفتاح التقدم الحقيقي، وكلمة السر التي تسمح بولوج أبواب الحضارة الحديثة، يكمنان في كلمة واحدة تتجلى في (الديمقراطية)، لأنها وحدها التي يمكن ان (تشجع) أو ربما (ترغم) أصحاب القرار على انتهاج النهج القويم وسلوك المسلك الصالح، وهي التي تقود الى الشفافية وكشف الغطاء عن المستور، وإماطة اللثام عن الممارسات الخاطئة والفاسدة. وبالنسبة لدول العالم الثالث المعروفة بتخلفها عن اللحاق بركب المدنية، فإن للديمقراطية معنى خاصاً وأهمية استثنائية، وهي تعد من أخطر وأعوص المشكلات التي تواجهها، وعلى الرغم من وجود اتفاق عام بين صفوف المفكرين ورجال السياسة وأصحاب القلم، على ضرورة تطبيقها، فإنها لم تتحقق إلا بصورة جزئية وبطريقة غير ناضجة في بعض هذه البلدان. وأسباب ذلك كثيرة، ومنها ان فئات عديدة تفيد من غيابها، كما أن فئات اخرى تسعى اليها، ولكنها لاتعرف الطريق الصحيح نحوها. قبول الآخر أضف الى ما سبق عدم توافر الخبرات العلمية والسياسية الكافية في مجال الأسس النظرية للديمقراطية ووسائل ممارستها الفعلية لدى النخب الحاكمة والشعوب في كثير من دول العالم الثالث، وفي الحقيقة فإن مفهوم الديمقراطية واسع، ولا يقتصر على الجانب السياسي، بل يتعداه الى مختلف ميادين الحياة. فهي، في المجال الاجتماعي تعني الطريقة المثلى للتعامل بين الناس على أساس قبول كل إنسان للشخص الآخر، وبالتالي تقاسم المصالح معه بصورة عادلة، اما على الصعيد العالمي، فإن المقصود بها، التعامل الحضاري بين الدول من منطلق الاحترام والمساواة. وفي الحقل التربوي، يسود مفهوم ديمقراطية التعليم الذي يشير الى حق جميع أفراد المجتمع في نيل درجة مقبولة من التعليم، بالاستناد الى مبدأ تكافؤ الفرص. وفي الحقل السياسي تشمل الديمقراطية عناصر عديدة، مثل الانتخابات الحقيقية وحرية التعبير وحقوق الانسان والتعددية وحق تشكيل الأحزاب وغير ذلك. وبصورة عامة، فإن المعنى الشامل للديمقراطية، هو الاعتراف بجميع حقوق الآخرين من مختلف الجوانب الاجتماعية والتعليمية والغذائية والسياسية والدينية والصحية وغيرها. وما يهمنا هنا الديمقراطية السياسية حصراً. وليس من السهل بالطبع الخوض في موضوعها الشائك الحساس، أو السباحة في بحر أمواجها العاتية المتلاطمة. وقد اخترنا هنا الحديث عليها بطريقة إجمالية. ومع ان قضية الديمقراطية قد أحرزت الانتخابات وتشكيل أحزاب جديدة وتبني مبدأ الشورى، والسماح بحد معين من حرية التعبير، إلا أن هذا كله ليس كافياً، إذا أردنا الوصول الى ديمقراطية حقيقية بالمعنى الكامل للكلمة. وكما أسلفنا، فإن هناك قوى عديدة يُحسب حسابها، ترى من مصلحتها إبعادها، وإن كانت تعترف بمزاياها. وكثيراً ما نراها تتغنى بها وترقص على أنغامها علناً، في الوقت الذي تحاربها فيه بلا هوادة وتسدد اليها الطعنات النجلاء، سراً. كما نجدها في حالات اخرى، تحاول تمييعها، أو تزعم انها تمارسها بالفعل. ويبدو من الصعب إقناع هذه القوى، بطرق الإقناع التقليدية، بأن تتخلى لصالح قضية الديمقراطية ولمنفعة المجتمع بأسره، عن امتيازاتها ومكاسبها الخاصة التي تنفرد بها. الديمقراطية وصراع المصالح هذه القوى تتصور أن الديمقراطية لن تقضي على مصالحها الحالية، وحسب، وإنما ستؤدي الى حرمانها من مكاسبها السابقة والمستقبلية، أيضا. والطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق المحير، هي إيجاد ظروف يؤدي فيها تطبيق الديمقراطية الى تحقيق مصالح جميع الأطراف، أي مصالح النخبة الحاكمة والشعب في آن واحد، وعدم الأضرار بأي منهما، إن أمكن، وكثيراً ما يتردد بأن النظام الدولي الجديد عازم على إشاعة الديمقراطية في مختلف بقاع العالم. ولكن المشكلة أن الديمقراطية التي يسعى إليها هذا النظام، كما يقول بعضهم، قد تكون تلك التي تحقق مصالحه هو، وتتناغم مع أهوائه. وهذه الحقيقة بالذات يجب ان تكون حافزاً لبلدان العالم الثالث على استباق الأحداث وتفويت الفرصة على النظام الجديد، من خلال العمل على تطبيق ديمقراطيات تناسب أوضاعها ومصالحها هي، بدلاً من أن تفرض عليها في المستقبل ديمقراطيات من نوع لا يلائمها. وعلى كل حال، فإن الديمقراطية، مهما تنوعت أشكالها، وتعددت مفاهيمها، فإن مضمونها الفعلي ثابت وفحواها واحدة، وهي ترمي الى توفير آليات لجعل السلطة التنفيذية مسئولة، أمام برلمان حقيقي يمثل الشعب، عن كل ممارساتها وأفعالها. وهناك اليوم في العالم الثالث من يعارضون الديمقراطية ويقفون لها بالمرصاد، بحجة أن انموذجها الغربي غير مناسب ولا يصلح لجميع البلدان، فإذا كان هؤلاء صادقين في دعاويهم ومزاعمهم، لماذا إذن لا يدعون الى تطبيق أشكال اخرى من الديمقراطية؟ إننا نعتقد أن معظم هؤلاء يتعللون بهذه الحجج هروباً وتهرباً من الديمقراطية، لأنها تتعارض مع مصالحهم، وليس بوسعهم الوقوف جهاراً ضدها. لقد بات على الدول المتخلفة اليوم ان تحسم أمورها ولا تضيع الأوقات في نقاشات عقيمة حول صلاحية الديمقراطية العربية أو عدم صلاحيتها، لأن المهم مغزى الديمقراطية وزبدتها. ومن واجب هذه الدول أن تسعى اليها بأي صورة من صورها، أو أن تصمم ديمقراطيات خاصة بها، تستقي أصولها من تراثها وثقافاتها وتقاليدها الأصيلة، لأنها المنفذ الوحيد الذي يمكن أن يخرجها من بوتقة تخلفها المزمن. ـ كاتب سوري