الهجرة المعاكسة هي المؤشر الاكبر الذي يجب ان نترقبه. اذا بدأت الهجرة اليهودية من اسرائيل بدافع الخوف وطلب الامان في الخارج فاعلم ان الانتفاضة الفلسطينية اخذت تستشرف الانتصار النهائي. واعلم ان اليهود الروس هم الذين سوف يدشنون الهجرة من اسرائيل اذا بدأت فعلا. في الاسبوع الماضي طالعت تقريرا اخباريا في «هيرالد تربيون» الامريكية يستحق وقفة. يتحدث التقرير الذي بعث به مراسل الصحيفة في تل ابيب عن آل سوروكنز ـ اسرة من اليهود الروس الذين هاجروا الى اسرائيل مع انهيار الاتحاد السوفييتي قبل اكثر من عشر سنوات متطلعين الى حياة افضل ومستقبل واعد. الآن قرر آل سوروكنز الفرار من الدولة اليهودية بأسرع وقت ممكن مفضلين الفقر مع الامن النسبي في روسيا على العيش السهل لكن مع انعدام الامن في اسرائيل. استقرت العائلة المكونة من زوج وزوجة وابن وابنة ووالدة الزوج وأخيه في فيللا فاخرة في احدى مستوطنات الضفة الغربية. كانت حياة سعيدة ومستقرة، لكن اشتعلت الانتفاضة الفلسطينية فصارت المستوطنة ومحيطها الجغرافي هدفا لأسلحة كوادر الانتفاضة. ومع تصاعد العنف قررت الاسرة الانتقال الى داخل اسرائيل طلبا للامان. ووقع الاختيار على مدينة نتانيا الساحلية. وعندما وقع ذلك التفجير الاستشهادي الكبير ذات نهار في احد اكبر اسواق نتانيا كانت اسرة سوروكنز مشغولة بالبحث عن هدية لشقيق الزوج بمناسبة عيد ميلاده. الآن يجد شقيق الزوج نفسه راعيا للاسرة بعد ان قتل رب الاسرة وزوجته.. ويرقد الابن الشاب في المستشفى متأثرا بشظيتين اصابتاها في الكتف والحوض تواسيه اخته الشابة التي لم تصب. وبعد تلخيص التجربة قرر من تبقى من الاسرة الشاب والشابة وعمهما وجدتهما العودة الى روسيا بعد ان اقتنعوا انه لا جدوى من العيش بلا امن شخصي. فلا معنى للاستجارة من رمضاء المستوطنات بنار الداخل الاسرائيلي طالما ان المخزون الاحتياطي البشري للاستشهاديين الفلسطينيين لا ينفد كما يبدو. المغزى الظاهري لهذه الرواية الواقعية لا يخفى بالطبع. لكن للرواية مغزى باطنا يتصل بالسؤال الذي يتردد في نفس كل عربي مع مشرق كل يوم: كيف تكون نهاية الصراع المسلح بين الفلسطينيين والاسرائيليين؟ وهل تستنفد الانتفاضة نفسها مع مرور الزمن في وجه التفوق العسكري الاسطوري للجيش الاسرائيلي؟ وماذا يحدث اذا قهرت الانتفاضة في نهاية المطاف؟ اذا اقتربنا من هذه الاسئلة بالمنظور التقليدي الحربي الذي يطلق عليه «ميزان القوة» فاننا نكون قد حكمنا معيارا خاطئا لن يقود الا الى نتيجة خاطئة. فلو كان هذا المعيار منطبقا على الحالة الفلسطينية لما بقيت الانتفاضة مشتعلة وتزداد اشتعالا لمدى ثمانية ايام فضلا عن ثمانية شهور. ان المعيار الصحيح في هذه الحالة حالة المقاومة الشعبية التحريرية في كل مكان وكل زمان ليس «ميزان القوة» وانما هو «ميزان الرعب» ميزان القوة يتصل بالمقارنة بين جيش وجيش.. ولكن ميزان الرعب يتصل بالمقارنة بين ارادة وارادة: ارادة تستند الى حق وتصميم تطلب الموت دون اكتراث بالحياة.. وارادة تستند الى باطل، تحب الحياة وترتعب من مجرد تذكر الموت. الرعب الآن ينتشر بين قطاعات الاسرائيليين. وهو رعب مكتوم في النفوس حتى هذه اللحظة. ولكن حين تبدأ الهجرة المعاكسة فاعلم ان الشعور العام بالارتعاب بدأ يترجم نفسه عمليا. واسألوا المقاومة اللبنانية.