كان في طريقه الى الباب الخارجي للسفارة المصرية في (عمان) عندما استوقفه الحارس ليخبره بأن طردا جاء باسمه وصل هذا الصباح.. ولم يجد الملحق العسكري المصري (صلاح مصطفى)، مايمنع من أن يطلب من الحارس أن يضع الطرد في مكتبه.. وبقى واقفا على السلم الخارجي في انتظار صديق جاء من (القاهرة) كان قد دعاه للغداء في بيته.. واتصل بزوجته تليفونيا ليقول: (انه قادم في تمام الساعة الثانية ظهرا).. وقبل الموعد بربع ساعة ترك مكتبه واستعد للخروج من السفارة لكن الصديق تأخر.. وهو ماجعله يتجه الى سيارته.. ويرتكن على مقدمتها بجانبه الأيسر.. ولكن الانتظار.. طال.. وهو رجل لا يطيق الانتظار.. وراح الملل يتسلل إليه.. ولم يعرف كيف يقتل الوقت أو يمزقه أو يصرعه بضربة قاضية تعود عليها في حياته العسكرية. فجأة برقت في رأسه فكرة.. أن يحضر الطرد.. ويتسلى به.. وبالضبط قال لنفسه: (افتحه بالمرة وشوف مافيه).. وقال للحارس: (هات الطرد).. ولم تمض سوى دقيقة واحدة حتى كان الطرد بين أصابعه يلامس غلافه الخارجي الذي كان لا يزيد على ورقة صفراء خشنة ثقيلة.. عليها أختام باهتة وملفوفة بدوبارة.. ورا ح يقلبه في يده. لم يكن من الصعب أن يكتشف أن في داخل الطرد كتابا.. ملمسه يؤكد ذلك.. وحجمه أيضا.. وجوانبه الأربعة غير المغلفة حسب ماتفرضه تعليمات (البريد) الأردنية.. وقبل أن يفض الطرد وجد سيارة تقترب فتراجع عن ذلك.. تصور أن صديقه جاء فقرر أن يؤجل مهمة فتح الطرد في البيت.. لكن السيارة مرت من أمامه دون أن تتوقف أو تهدئ من سرعتها.. فعاد من جديد الى الطرد الذي تصور أنه سيخلصه من ملل الانتظار. راحت يده اليمنى تفض الغلاف.. ووجد كتابا متوسط الحجم بعنوان (القائد والرجل) ألفه جنرال ألماني شهير هو (فون رونشتد).. وبسرعة فتح الصفحة الأولى.. لكن ماحدث لم يمهله ليفتح الصفحة الثانية.. فقد انفجر الكتاب في جسده.. صم أذنيه الانفجار.. وشاهد بنفسه يده تطير في الهواء.. وجسده يتمزق.. وارتمى على الأرض.. لكنه رغم ذلك تنبه الى وجود أوراق سرية تحوى معلومات مهمة لا يصح اهمالها وتركها على المقعد الخلفي للسيارة مهما كانت الظروف.. وحتى ولو كان يموت بطرد اسرائيلي مفخخ.. وقال وهو يتلوى من الألم (سلموه للسفير). ومايثير الدهشة ويستحق التسجيل انه هو الذي وصف ذلك بنفسه قبل أن يلفظ آخر ماتبقى من أنفاسه بعد ثلاثة أيام في المستشفى (الايطالي) بالعاصمة الاردنية وهو يمسك بيد زوجته.. ويهمس لها مثل أي زوج مصري تعرض لكارثة في الغربة: (أقفلى) البيت وعودي الى (القاهرة) وخذي الأولاد معك ولا تقولي لهم شيئا حتى لا يحزنوا.. أحب أن أراهم يضحكون كما كانوا دائما.. لا تتركيهم لحظة واحدة.. ضعيهم في عينيك. كانت زوجته في البيت وقد وضعت طعام الغداء على المائدة في انتظار زوجها وضيفه.. انها تعرف أن زوجها شديد الانضباط.. ودقيق في مواعيده.. وكل شئ عنده بحساب.. وهو ماجعلها تصاب بالقلق والتوتر بعد أن تأخر نصف ساعة عن موعده.. وكاد قلبها يتوقف عندما دق جرس الباب ووجدت عليه موظفا بسيطا في السفارة.. لم يمهلها وقت لتسأل عن ماجرى.. فقد قال لها: (السيارة في انتظارك).. وشل لسانها.. وصرخت: (جرى أيه؟).. فأخذ الرجل يطمئنها وهو يقول: (أبدا.. مصطفى بك دايخ شوية).. واطمئن قلبها قليلا.. فقد كانت تنصحه على حد روايتها لـ (محمد وجدي قنديل) في مجلة ( آخر ساعة) وقتها بالا يرهق نفسه أكثر من اللازم خصوصا انه كان يسهر في مكتبه حتى الفجر.. وطلبت من أولادها الثلاثة الا يتركوا البيت واخفت عنهم الخبر. وتستطرد الزوجة: (ذهبت الى السفارة وهناك وجدت زحاما شديدا حولها وشعرت بحركة غير عادية وأخذني السفير من يدي وأدخلني احدى الغرف وبقيت فيها حائرة طوال ثلاث ساعات ثم قال السفير لي: (انه نقل الى المستشفى).. ودار رأسي بشدة.. وبقيت كالمذهولة حتى وقفت امام سريره.. وانخلع قلبي.. قد كان فمه هو الشيء الوحيد الظاهر من قطع القطن والشاش التي تغطيه). بعد ساعات وصلت أمه بالطائرة من (القاهرة).. جاءت من المطار الى المستشفى.. وبقيت الى جواره حتى فاق من غيبوبته.. وما أن رآها حتى حاول النزول من الفراش ليعرف كيف يقبل يدها.. وعندما تسمرت عيناها على جسده الممزق قال لها: (هل ترضيك رقدتي هذه).. بودي لو أكلتهم بأسناني.. ولم يكن بحاجة لأن يشرح من المقصود بضمير الغائب هنا.. في كلامه. وفور أن علم (جمال عبدالناصر) بما جرى أمر بارسال وفد طبي على رأسه اللواء طبيب (مظهر عاشور) كبير أطباء الجيش بطائرة حربية في محاولة مستميتة لانقاذه.. وفي اليوم الثالث انفرجت شفتاه بأخر الكلمات التي خرجت منهم: (بلغوهم في مصر أن يحذروا وينتبهوا.. إن حياتنا التي فقدناها لن تكون لها قيمة أو معنى لو لم نتعلم كيف نتعامل معهم بشك وحذر).. ومرة أخرى لم يكن أحد في حاجة لمعرفة المقصود بضمير الغائب. كان الحادث في يوم 14 يوليو عام1956.. بعد يوم واحد من عملية تفجير (مصطفى حافظ ) في (غزة).. لذلك فإن قصة (مصطفى حافظ) التى بدأت في روايتها منذ أسبوعين لا تكتمل الا برواية قصة (صلاح مصطفى).. فالهدف واحد.. والفاعل واحد.. والتوقيت واحد.. أيضا فإن كلا منهما كان ينتمى الى سلاح (الفرسان).. (سلاح المدرعات) فيما بعد.. كذلك حارب كل منهما في (فلسطين).. في حرب عام (1948).. وعادا وقد شعر بالغضب والنقمة من الذين دفعوا الجيش المصري الى الهزيمة.. عادا مثلهما مثل (جمال عبدالناصر) ورفاقه في تنظيم (الضباط الاحرار) وهما يؤمنان أن القضية الأهم والأكبر والأخطر ليست قضية تحرير (فلسطين) من الدولة (الصهيونية) وانما هي قضية تحرير (مصر) من دولة (الفساد) القابضة والمستشرية والمسيطرة.. والخاضعة في الوقت نفسه لسلطة الاحتلال. وقد انضم (صلاح مصطفى) فور عودته الى (مصر) الى تنظيم (الضباط الاحرار).. وأصبح عضوا في لجنة أو خلية (الاسكندرية) التي ضمته هو والمقدم (عبدالحليم الأعسر) و(أحمد حمروش) الذي كتب لي رسالة بمناسبة ماكتبت عن (مصطفى حافظ) يذكرني فيه بماجرى لزميله (صلاح مصطفى) في (عمان) والذي تسلم عمله في يوم 14 (مايو) عام 1955 في الذكرى الثالثة عشرة لنكبة (فلسطين). ويتذكر (أحمد حمروش) لقاء في بيته بشارع (طيبة) بمنطقة (سبورتنج) لمجموعة (الاسكندرية) مع (جمال عبدالناصر) في شهر (يونيو) 1952 قبل ساعة صفر الثورة بأقل من شهر.. و(دار الحديث يومها عن الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال البريطانية والدور الوطني الذي قامت به حكومة (الوفد) التي رأسها (مصطفى النحاس) وكان وزير الداخلية فيها هو (فؤاد سراج الدين) في مساعدة الفدائيين وامدادهم بالسلح.. وكان محور الحوار في الجلسة هو الرغبة في مواصلة الكفاح المسلح ضد جنود الاحتلال بعد أن توقفت العمليات الفدائية في منطقة قناة (السويس) بعد حريق (القاهرة) في 26 يناير عام 1952 واقالة حكومة (الوفد). ويواصل (أحمد حمروش) فيما كتب: (ولم تمض عدة أسابيع على هذا اللقاء حتى حضر الى منزلى (عز العرب) شقيق (جمال عبدالناصر). كان ذلك بالضبط في يوم (20) يوليو.. قبل الثورة بثلاثة أيام.. وأبلغني ان شقيقه يطلبني في (القاهرة) لسبب لا يعرفه. وسافرت الى (القاهرة) حيث التقيت مع (جمال عبدالناصر) امام منزله في (كوبري القبة).. في شارع مجاور لضريحه المدفون فيه.. وعلمت منه بأنباء التحرك في الليلة نفسها.. واسرعت الى (الاسكندرية) ابحث عن زملائي الضباط الاحرار. وعلمت أن (صلاح مصطفى) غادرها الى (المنصورة) لحضور فرح شقيقه.. وقامت الثورة وهو غائب.. ولكنه أسرع بالحضور عصر يوم 23 يوليو ومازالت صورته امامي وهو في لهفة لمعرفة ماحدث.. كما انه كان يشعر بالأسف لعدم معرفته بالموعد لوجوده بعيدا عن (الاسكندرية).. والحقيقة أن عددا كبيرا من الضباط الاحرار لم يعرفوا بموعدها لأن الموعد تحدد فجأة قبل ساعات بعد أن وصلت انباء أن الملك (فاروق) كان ينوي اعتقال الضباط الاحرار.. وهو ماجعلهم يتعشون به قبل أن يفطر بهم.. وللتاريخ فإن الضباط الاحرار عرفوا بنية الملك (فاروق) عن طريق اللواء (محمد نجيب) الذي أبلغه بذلك (محمد هاشم) وزير الدولة وزوج ابنة رئيس الوزراء (حسين سري).. و(أحمد أبوالفتح) زوج شقيقه البكباشي (مقدم) (ثروت عكاشة).. فكان هناك سباق مع الزمن.. وللتاريخ أيضا فإن الحركة قامت تنفيذا لخطة عاجلة دبرها (زكريا محيى الدين) وكانت تخيرنا بين الفوز والاعتقال. ويستطرد (أحمد حمروش) بخط يده: (وماأن استقرت الحركة حتى نقل (صلاح مصطفى) الى (القاهرة) في (اغسطس) عام 1953 فقد كلف باعداد كتائب الحرس (الوطني).. واذكر هنا انه حضر الى مكتبي اثناء ازمة (مارس) عام 1954 (أزمة الصدام بين الثورة والقوى السياسية المدنية) وكنت كبير معلمي مدرسة (المدفعية المضادة للطائرات) موفدا من (جمال عبدالناصر) ليستطلع رأيي في الموقف من (محمد نجيب) الذي كانت الأزمة بينه وبين الضباط الاحرار قد وصلت الى نقطة اللاعودة.. وأذكر انني أبلغته يومها: (إنني مع الديموقراطية).. وكان ذلك من العوامل التي أدت الى عدم قبول استقالة (محمد نجيب) وأدت ايضا الى الغضب في (سلاح الفرسان) والمظاهرات التي خرجت في (القاهرة) و(الخرطوم) في نفس الوقت. لكن.. الخلافات السياسية سرعان ماحسمت لصالح (جمال عبدالناصر).. لكنه لم يهنأ بما وصل اليه فقد بدأت الغارات الاسرائيلية على (غزة) في يوم 28 (فبراير) عام 1955 والتي راح ضحيتها (39) جنديا مصريا.. وهو ماجعل (جمال عبدالناصر) يفكر في كسر احتكار السلاح الغربي للجيش المصري بتوقيع صفقة الأسلحة السوفييتية.. وقد طار (صلاح مصطفى) الى (غزة) ليساعد صديقه القديم (مصطفى حافظ) في تشكيل وتدريب خلايا فدائية جديدة.. وهي الأسلوب الأمثل لمواجهة دولة مثل (اسرائيل) ترهقها الضربات المستمرة والمتلاحقة وغير المتوقعة.. وتستنفر قواها.. وتستهلك طاقتها.. وتفقدها المرونة والمناورة.. وهو ماجعلها تفقد صوابها وتقرر نسف الرجلين اللذين اطارا النوم من عينيها. و(صلاح مصطفى) ضابط له تاريخ على حد وصف (أحمد حمروش).. كان أول دفعته في المدرسة (الحربية).. وكان من أفرادها (عبدالحكيم عامر).. وهو من (المنصورة): أصلا.. والده كان تاجر (جلود) بسيط.. وقد تخرج ضابطا في عام 1939 في دفعة من الدفعات التي دخل فيها ابناء البسطاء المدرسة بعد معاهدة (1936) ليصبحوا لأول مرة ضباطا في الجيش المصري.. بعد أن كانوا أنفارا.. فيه.. ولا شك أن ذلك هو ماجعلهم يشعرون بكل ماعبروا عنه فيما بعد من مشاعر وتفرقات وطنية وكل مافعلوه من تغييرات انقلابية حادة كان من الصعب الرجوع فيها. وما أن وصل هذا الجيل من الضباط الشبان الى السلطة حتى راحوا يحاولون اصلاح كل ماهو فاسد.. لكن.. كان هناك خارج الحدود.. في اسرائيل من يخشى النظام الثوري الجديد في مصر.. ويحاول جره الى معركة بعيدا عن ميادين التنمية والاصلاح والعدالة الاجتماعية.. لقد قال (ديفيد بن جوربون) أول رئيس وزراء في اسرائيل اننا مستعدون لدفع نصف أعمارنا لجر (جمال عبدالناصر) في حرب طويلة من العداء تبعده عن بناء دولته القوية.. وقد كان.. فقد انفجرت القنابل في دور السينما في القاهرة والإسكندرية.. وفي المراكز الثقافية الأمريكية والبريطانية فيما يعرف بفضيحة (لافون)! ردت مصر على العمليات الاسرائيلية بعمليات فدائية انطلقت من (غزة) تحت مسئولية (مصطفى حافظ) وأشرف عليها من الجانب الأردني (صلاح مصطفى) فكان اغتيالهما معا بنفس الطريق في الوقت نفسه تقريبا.. ومن ثم لم يكن لنكتب سيرة (مصطفى حافظ) دون أن نكملها بسيرة (صلاح مصطفى).. وهو مايعني أيضا أن سيرة الشهداء مثل عقود اللؤلؤ ما أن تمسك بواحدة حتى تتوالى باقي اللآلئ. ـ كاتب مصري