انصح... قد يسمعك المنصوح ويشكر لك، قد يصم آذانه ويغضب، لا تخاف ولا تهتم كثيراً بردة فعله لحظتها، المهم إنك نصحت. أخلصت. إنك قدمت اعظم عمل لمن تحب، فلا ينصحك الا من يحبك. متى كانت النصيحة سهلة؟! إن مُرّها في قوتها وصدقها، قال مرة عمر بن عبدالعزيز: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره. وهكذا هي في آيات قصص الانبياء والرسل، إنها أول قول وآخر فعل حذروا به أقوامهم. وأكدت أهميتها الاحاديث النبوية في أكثر من موضع: الدين النصيحة، ومن أعجب برأيه ضل. في سيرة كل الشعوب كانت النصيحة حاضرة، تمثل الواجب والحق، والخيار نحو الامان والأفضل للفرد والجماعة. حتى ان افلاطون أوصى بها للعدو، كعلاج سحري يقارب بين الاضداد: إذا استشارك عدوك فجرد له النصيحة، لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك. لقد حفظ تاريخ العرب قصصا وحكايات تتحدث عن فضيلة النصيحة، وعدّت مضربا للمثل، رددوها في اشعارهم وأقوالهم. هذه واحدة من الحكايا التي تدور بطولتها حول فعل النصيحة. تروي الحادثة التي تعود الى زمن الدولة الحميرية، انه وقعت حالة تذمر في «حِمْيَرْ» سببها ملكها حسان، فتفرقت وخالفت امره بسبب سوء سيرته فيهم: فأقبلوا على اخيه عمرو، ورغبوه في الملك ان هو قتل اخاه، ووعدوه مقابل ذلك بحسن الطاعة والمؤازرة. «ذو رعين» الذي رفض الموافقة على هذا العرض، حاول نصح عمرو بعدم القبول، علم انه إن قتل أخاه ندم، ولكن «ذو رعين» لم يجد سوى أذن صماء من الملك المرتقب، فقال: ألا من يشتري سهراً بنوم سعيد من يبيت قرير عين فإما حِمْيَرْ غدرت وخانت فمعذرةُ الإله لذي رُعين كتب هذين البيتين في صحيفة، وسلمها له وطلب منه أن يختمها بخاتمه، وقال له: هذه وديعة لي عندك إلى أن اطلبها منك، فأخذها عمرو وأمر برفعها الى الخزانة والاحتفاظ بها الى ان يسأل عنها صاحبها. ومرت الأيام. قتل عمرو أخاه وجلس على كرسي الحكم. فمنع عنه النوم وسلط عليه السهر، فلما اشتد ذلك عليه، لم يدع باليمن طبيبا ولا كاهنا ولا منجما ولا عرافا إلا وجمعهم، وأخبرهم بحاله، شاكياً ما به، طالبا منهم الدواء، فكان ردهم: ما قتل رجل أخاه أو ذا رحم منه على نحو ما قتلت أخاك إلا أصابه السهر ومنع منه النوم. فماذا فعل الملك؟! قرر أن ينتقم ممن اشار عليه بقتل اخيه وساعده على ذلك، فقتلهم جميعا، ووصل إلى ذي رعين فقال له: ايها الملك، إن لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي. فنظر اليه الملك متعجبا: وما براءتك وأمانك، فرد عليه: مُر ـ يا مولاي ـ خازنك أن يخرج الصحيفة التي استودعتك إياها يوم كذا وكذا. فأمر خازنه فأخرجها، وقرأ البيتين وتذكر. قال ذو رعين: أيها الملك، قد نهيتك عن قتل اخيك، وعلمت انك ان فعلت ذلك أصابك الذي قد أصابك، فكتبت هذين البيتين براءة لي عندك مما علمت انك تصنع بمن اشار عليك بقتل اخيك. فقبل منه الملك ذلك وعفا عنه واحسن جائزته كما تقول كتب التراث. هذه قصة تحمل حكمة النصيحة، ذهبت مثلا يردد في أحوال وظروف من يتجاهل سماع النصح. في هذا العصر يبدو أمر النصيحة أكثر عسرا، ما عاد الناس يتبادلون النصيحة، كثيرون لا يقبلون الأخذ بها، وغيرهم لا يرضى حتى سماعها. يقول د. ريتشارد كارلسون وهو محاضر دولي ومستشار في الاجهاد الذي هو من امراض هذا العصر، في كتابه «لا تهتم بصغائر الامور» الذي يعد من أكثر الكتب مبيعا في العالم، يذكر ضرورة النصيحة في حياة الفرد «لا اعرف على وجه الدقة لماذا يلجأ الكثيرون الى رفض النصيحة التي يتلقونها. ربما نشعر بالحرج لاحتياجنا الى المساعدة أو لأننا نسمع أشياء لا نود سماعها أو من الممكن ايضا ان كبرياءنا منعنا من التسليم بأن صديقا ما أو قريبا يعرف شيئا لا نعرفه نحن. واحيانا ما تتطلب منا النصيحة التي نتلقاها جهدا او تغييرا في نمط حياتنا وقد يكون هناك اسباب عديدة لذلك. ربما اكون من يعترف بأنني اقوم بعمل اشياء كثيرة خطأ، ولكن احدى الخصائص التي اظفر بها كثيرا وانا متأكد من انها ساعدتني كثيرا في حياتي الخاصة والمهنية هي قدرتي على الاستماع الفعلي للنصيحة وفي كثير من الحالات العمل بها». الصعوبة في هذا الزمن ليس في تقبل النصيحة، انما المصيبة هي اذا غيبنا هذا الحق. سكت الناصح!