يقولون في البدء كانت الكلمة، ويقال أيضا أن الصورة تبعتها، أي الكلمة، بل هناك من يرى أن الصورة كانت البداية وسبقت الكلمة، على أي حال، إذا كانت الكلمة هي البداية وكانت الوسيلة، الاولى ليعبر الانسان عن ما يريد ايصاله للآخرين أي للتواصل مع الاخرين، ثم كانت الكلمة بعد ذلك وسيلة التعبير عن ما يعتمل في صدره من هموم وأفكار، فان الصورة لا تقل تأثيرا واشعاعا عن الكلمة، من هنا كانت بدايات الفنون الأولى التي استخدمها الانسان لتسجيل تفصيلات حياته ومغامراته في الصيد والحب والحرب. الاديان الاولى ايضا استخدمت الصورة لتثبيت اقدامها في قلوب المؤمنين بها، ومن يشاهد اليوم الآثار التي تركتها الحضارات القديمة، وبشكل خاص في وادي النيل وبلاد الرافدين يرى ان الغالب على تلك الآثار هي الصور والتماثيل الدينية، سواء كانت الفرعونية أو الآشورية أو البابلية وغيرها من الديانات التي نشأت في ظل تلك الحضارات، أو نشأت تلك الحضارات في ظلها. بل أن بعض الاديان السماوية استخدمت الصورة أيضا لتنشر الايمان في قلوب اصحابها، وربما كانت الديانة المسيحية من أكثر الديانات السماوية التي استخدمت الصورة الفنية، وكانت «الايقونة» أحد أبرز انجازات الفنون التي ابدعها الفنانون المسيحيون وكرسوا فيها فنونهم لتكون في خدمة العقيدة التي يؤمنون بها. بل أن بعض فناني العصور المختلفة من الديانة المسيحية لاقت أعمالهم شهرة كبيرة بفضل انجازاتهم الفنية في العديد من الكنائس التي يعتبر بعضها اليوم من أجمل الانجازات الحضارية البشرية. الصورة الخفية وان كانت علاقة الصورة بالتعبير الانساني كرست نفسها من خلال التعبير الديني في المسيحية فان تلك الصورة خرجت لتمارس دورها أيضا إلى جوار الكلمة في المجال السياسي، خاصة بعد اكتشاف التصوير الضوئي ومشاركة الصورة للكلمة في وسائل الاعلام التي تستخدم الصور الثابتة كالصحف والمجلات، وفي بعض موضوعات تلك الوسائل الاعلامية لا يمكن فصل الكتابة عن الصورة. إلا أن هذا التلازم كان يتفوق فيه جانب على جانب آخر، ففي حين يمكن قراءة موضوع تمثل الصورة جانبا منه فيكتفي القارئ بالكلمة دون ان تلفت الصورة انتباهه فإن بعض تلك الموضوعات لا يمكن فهم مغزاها ما لم يتم تأمل الصور المصاحبة لتلك الموضوعات، بل يمكن أحيانا لصورة واحدة أن تلفت النظر دون غيرها من الصور، فتستحوز على اهتمام القارئ، وتضعه في «الصورة» التي يريد الموضوع أن ينقل رسالتها إليه. من هنا كان الاهتمام في الاعلام المعاصر بالصورة، وزاد الاهتمام بالصورة في نقل الرسالة السياسية، ويقولون إن الاهتمام بالصورة في الاعلام السياسي يعود إلى مباشرة النقل إلى القارئ، لكن الحقيقة أن الصورة تنقل رسائل خفية قد تخطئها عين القارئ في الرسالة السياسية المكتوبة. من هنا أصبح الاعلام السياسي يعتمد على الرسالة الخفية التي يمكن أن تنقلها الصورة، ولذلك نجد توسعا كبيرا في استخدام «الرسالة الخفية» للصورة في مجال الدعاية السياسية التي أصبحت فنا قائما بذاته في الدول الديمقراطية التي تشهد انتخابات من وقت لآخر، يتعين فيها على الزعماء والاحزاب المتنافسة أن تستخدم كل الاسلحة التي تصل إليها أيديها لنقل رسائلهم المعلنة والخفية إلى الناخبين، للحصول على أعلى نسبة من الاصوات تمكنهم من الوصول إلى السلطة إذا كانت في يد الخصم، أو الحفاظ عليها إذا كانوا فيها. لكن بما أن قلة من كتاب المقال السياسي يمكننا أن نذكرهم بانتاجهم المدهش، فان قلة ايضا من أصحاب الصورة السياسية يمكننا أن نذكرهم بصورهم المدهشة، بل أن بعض الصور قد تصل في ذيوعها وانتشارها إلى مرتبة أعلى من كونها صورة مدهشة، حيث يمكنها أن تصل إلى أن تكون صورة فنية أشبه يالايقونة التي ابدعها الفنان المسيحي في القرون الوسطى وعصر النهضة. لعل من تلك الصور التي لا يمكننا أن ننساها أبدا، خاصة جيلنا الذي نشأ في فترة الغليان، صورة «جيفارا» التي كانت بداية صناعة هالة الاسطورة حول هذا البطل الامريكي اللاتيني اليساري الذي كان في وقت من الاوقات أقرب إلى القديسين بالنسبة لأعضاء الحركات المناضلة ضد الدكتاتوريات العسكرية في العديد من دول أمريكا اللاتينية. أضفت هذه الصورة هالة البطولة على هذا المناضل الذي تحول بفضلها إلى رمز أسطوري يبرز نقاء الثورة الكوبية دون ان يكون كوبيا، ونقاء المقاتل الثوري دون أن يكون مقاتلا، فهو الطبيب الارجنتيني الذي آمن بالثورة في أي مكان، فرافق الثورة الكوبية منذ بداياتها كطبيب يعالج جرحى الثورة، ثم سرعان ما تحول إلى مقاتل بين صفوف مقاتليها، ليضعه القدر بعد ذلك رمزا لها رغم أنه ارجنتيني. كم من البشر الذين يحملون صور «التشي جيفارا» على ملابسهم أو يعلقونها على جدران غرف نومهم يعرفون أن «الرمز» ليس سوى طبيب، وكم منهم يعرف من الذي إلتقط تلك الصورة ولعب بضوئها وظلالها ليحولها إلى أيقونة من ايقونات القديسين؟، ربما كان الجواب: لا أحد، أو أن الجواب الأكثر تفاؤلا: قلة من الناس. رحل جيفارا وذهب زمانه وخمدت نيران ثورته، ولكن ظلت ايقونته معلقة على الجدران، لكنها مثل أي ايقونة فنية تجد من وقت لآخر من ينفض الغبار عنها ويلقي عليها بعض الاضواء من وقت لآخر، وقبل أيام كان الزمن سخيا مع «ايقونة التشي جيفارا» فألقى عليها ضوءا جديدا وكأنه يعيد التذكير بزمن مضى، وان كانت أهدافه لم تتحقق بعد، أي أن أسباب «الصورة الأيقونة» لا تزال قائمة. ايقونة من دون قصد فقد رحل قبل أيام وفي هدوء المصور الصحافي الكوبي ألبيرتو دياث الشهير باسم «كوردا» بعيدا عن بلاده، فقد مات في مقر اقامته الأخير في باريس بعد نصف قرن من الصورة التي التقطها ليصنع منه ايقونته دون ان يقصد ذلك. برحيل ألبيرتو دياث عادت الاضواء إلى تلك الصورة الايقونة، وليعرف الكثيرون لأول مرة كيف تمت صناعة هذه الصورة وكيف قامت تلك الصورة بصناعة الاسطورة التي وضعت التشي جيفارا في مصاف الابطال الاساطير. عندما كان ألبيرتو يعمل في صحيفة «الثورة» الكوبية كمصور صحافي، كان مؤمنا ايمانا حقيقيا بعمله ومؤمنا بعقيدة الثورة الكوبية، وحاول توظيف كاميرته لتكون حاملة رسالته السياسية التي تحاول الصحيفة توصيلها للجماهير الكوبية في بدايات الثورة، وإن لم يكن يحلم بأن يكون مصورا عالميا أو أن يصنع صورا تأخذ طريقها إلى الشهرة. من هذا المنطلق كان ألبيرتو دياث يمارس عمله اليومي في نشاط يحسد عليه، ويحاول أن يكون سباقا لتصوير الاحداث، لذلك فوجئ في صباح الرابع من مارس عام 1960 بنبأ انفجار ضخم وقع في ميناء هافانا أتى على ناقلة فرنسية محملة بسبعين طنا من الاسلحة البلجيكية المنقولة إلى كوبا، فانطلق إلى أرصفة الميناء بحثا عن لقطة يمكن أن تصاحب نشر الخبر في صحيفته، لأن الانفجار بدا مدبرا أكثر منه مجرد حادث وقع لناقلة بحرية. عندما كان يحاول القيام بعمله فوجئ بالتشي جيفارا على رصيف الميناء بملابسه العسكرية المعروفة يساعد في نقل القتلى الذين وصل عددهم إلى خمسة وسبعين ضحية، وأكثر من مائتي جريح، وعندما حاول البيرتو متابعة تحركات جيفارا، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب محافظ البنك المركزي ولم تكن له صلة مباشرة بأي شئ له علاقة بالحادث أو الميناء، لكن الحادث جعل جيفارا ينحرف عن طريقه إلى مكتبه ليتوجه إلى الميناء، وخلال متابعة ألبيرتو لجيفارا نهره وابعده عن طريقه لأن المأساة كانت أكبر من أن تتحول إلى صورة في خبر صحفي. عاد ألبيرتو إلى صحيفة «الثورة» بحصاد قليل لا يرضيه، ولكنه كان قد نسي كلمات جيفارا على رصيف الميناء، وكان يستعد لمتابعة تشييع جنازة قتلى الحادث والتأبين الذي كان من المقرر أن يلقي فيه فيدل كاسترو خطابا سياسيا يعلن من خلاله عزم الثورة الكوبية على الاستمرار رغم محاولات جهات معينة ابعادها عن طريقها . خلال حفل التأبين جلس ألبيرتو دياث بين الصحافيين متابعا بعدسته منصة المتحدثين، دار بعدسته دورة ثم سرعان ما عاد بها من جديد لأن شيئا ما لفت انتباهه خلال الدورة الاولى، جذب انتباهه «التشي جيفارا» الذي كان خلف الجالسين على المنصة وفي عينيه تعبير رهيب أقرب إلى الثورة المكبوتة. كان جيفارا مرتديا غطاء الرأس المتميز الذي لم يغيره بعد نجاح الثورة وجلوسه على كرسي ادارة البنك المركزي، ويرتدي الجاكت الجلدي المغلق حتى العنق رغم حرارة المناخ الخانقة، أصيب ألبيرتو بالرعب من نظرة جيفارا فالتقط له عدة صور حاول أن يسجل من خلالها رسالة جيفارا السياسية. عندما عاد ألبيرتو إلى معمله لتحميض الصور لفت نظره وجود شخص آخر في الخلفية على يمين رأس جيفارا، بينما تبدو سعفات نخلة على يساره، فقرر محو الخلفية وترك رأس جيفارا وحيدا، وبعد أن تأمل الصورة وضعها بين الصور الاخرى التي التقطها وذهب إلى ادارة التحرير لتختار صورة مصاحبة لخبر تأبين قتلى حادث الناقلة الفرنسية. العجيب أن مجلس التحرير لم يلتفت إلى صورة جيفارا، مما جعل ألبيرتو يعود بها إلى البيت ويعلقها على إحدى جدران غرفته، وظلت هناك لعدة سنوات دون أن يلتفت إليها أحد. مسيح الثورة الجديد لكن الصورة لفتت نظر الناشر الايطالي «جيانجيانكومو فيلترينيلي» الذي شاهدها على الحائط، فطلب من المصور نسخة منها، فما كان منه إلا أن قام بنزعها من على الجدار وأهداها له. عند موت «التشي جيفارا» الفاجع في أحراش بوليفيا على أيدي قوات كان يقودها ضباط من المخابرات المركزية الامريكية، قرر الناشر الايطالي انتاج «بوستر» يخلد ذكرى جيفارا، فاختار تلك الصورة وطبع منها بضعة آلاف. لم يمر وقت طويل حتى كانت تلك الصورة توزع ملايين النسخ وتصبح شعارا، بل تحولت إلى أيقونة «مسيح الثورة الجديد»، بعد أن انتقلت من الصور إلى صدور شباب ثورة «ربيع 68» في باريس، وتحولت إلى شعار تنقله الصحف وشاشات التلفزيون، وأغلفة الكتب التي تتحدث عن الثورات والاستعمار في العالم. تحولت الصورة إلى رمز الثورة وشعارها. تلك الصورة صنعت اسطورة جيفارا، لأنها وجدت زمنا يتابعها ويحركها واعلاما يستخدمها، وكانت رسالتها اقوى من رسائل الكتابة التي كانت تلهب العيون والاذان صباح مساء، وانتصرت تلك الصورة على كل المحاولات التي بذلتها جهات مناوئة للثورة اليسارية. هذه الصورة ليست الوحيدة التي تستحق الخلود، بل هناك صور يمكن ان تكون ندا لها لو وجدت من يصر على نشرها بالطريقة نفسها التي وضعت صورة جيفارا في الاعلام العالمي، وربما كانت صورة الصبي الفلسطيني «الدرة» اقرب الى تلك «الصور الايقونة» التي يجب ان تبقى لتكون رمزا. ـ كاتب مصري. * HYPERLINK "mailto:tshahin@maktoob.com" tshahin@maktoob.com