رحل بالامس المناضل الفلسطيني العروبي من قمة رأسه الى اخمص قدميه فيصل الحسيني بالكويت، منهيا مسيرة حافلة بالتضحيات والفداء، مخلفا ميراثا من الدروس الخالدة، في الدفاع عن عروبة فلسطين والقدس وحرمة الاقصى، ميراثا يستمد منه جيل الانتفاضة الثانية العزيمة والقوة لتحقيق حلم تحرير القدس الذي ظل الحسيني يحتضنه حتى لحظة رحيله. وكعادة الابطال دائما ابى الحسيني إلا ان يسطر برحيله المفاجيء الصفحة الاولى في سجل انتقالنا كعرب من مرحلة الانشغال بتداعيات زلزال حرب الخليج الثانية الى مرحلة الانهماك بصياغة رؤية عربية واحدة تكفل لأمتنا قوتها في الحاضر وتصون لها مستقبلها دون الوقوع في اسر جراح الماضي وعذاباته. ولعل المفارقة التاريخية التي تمثلت في مسيرة الحسيني تقدم للناعقين في بوق الخلافات العربية درسا يعيد لهم الثقة في حقيقة وحدة وجودنا القوي، فلقد ولد الشهيد الحسيني في بغداد، وتلقى علومه في القاهرة ودمشق، وقضى عمره مناضلا مدافعا عن القدس. والدرس الثاني الذي قدمه رحيل الحسيني، ان ما يجمع بيننا كعرب اكثر مما يفرقنا من عارض الخلافات، فلقد جاءت زيارته للكويت بعد قطيعة قهرية دامت عشر سنوات، بمناسبة انعقاد اول مؤتمر خليجي شامل لمقاومة التطبيع مع اسرائيل وهو المؤتمر الذي يمثل بداية انطلاق خليجي فاعل وشامل لمواجهة آليات التغلغل الصهيوني في الوطن العربي بوجه عام، ودول الخليج العربية بوجه خاص. وتكمن اهمية المؤتمر في تجسيده لرؤية جديدة تتبنى مقاومة المشروع الصهيوني كنقيض بديل ومعاد للمشروع النهضوي العربي الاسلامي. وتتبنى هذه الرؤية حشد الطاقات الشعبية وتحفيز النخب المثقفة في دول الخليج لابداع اشكال جديدة من المقاومة للصهيونية، لا تحصر نفسها في اطار المقاومة الخطابية وتدبيج بيانات الشجب والتنديد، بل تقتحم دائرة العمل الجاد والمنظم المستند الى اسلوب علمي يتواءم مع عصر المعلومات. وتستمد هذه الرؤية قوتها ومشروعيتها من ادراك واضح لان مخاطر التطبيع مع اسرائيل ستنعكس بالسلب على المجتمعات الخليجية العربية، وتشكل خطرا حقيقيا على حاضرها ومستقبلها، وان دعم الانتفاضة يجب ألا يقتصر على الدعم المعنوي بل يتعداه الى الدعم المادي والسياسي، حتى يتحقق الحلم العربي وتتحرر القدس عاصمة لدولة فلسطين المستقلة، ويتطهر الاقصى من الدنس الصهيوني.