تخيل انك وجدت نفسك فجأة أمام صورة قاتمة سوداء لشخص ظللت طيلة عمرك تتعامل معه على أنه نموذج للنزاهة والشرف، والأريحية، واعتبرته رجلاً للمبادئ، اعتماداً على طلاوة لسانه ووجهه الوضيء، وتغنيه بكل ما هو جميل ونبيل، وعندما جاءت لحظة الحسم، لم تر منه سوى كل ما هو وضيع ومنفر، وانكشف امام ناظريك انه مجرد نهاز للفرص، أو «كداب زفة» ممن يمدحون ابتغاء المنفعة، وينزل بسليط لسانه ذماً طلباً لمصلحة ممن بيده الأمر. أظنك ستلعن الدنيا، وتتجرع مرارة الخديعة، وربما تنساق تحت وطأة لحظة ضعف، وتجاري خيال شيطانك أو «قرينك» الذي يصور لك الدنيا وكأنها صارت تحت امرة مردة شياطين الشر، ويدفعك دفعاً لجلد الذات، وتأنيبها على حسن طويتها، وانخداعها بمعسول القول، وقد تجد النجاة في الانتقال الى الشاطئ الآخر.. شاطئ العراة من القيم المتلاعبين بعقولنا ومشاعرنا، الذين يجيدون تجارة الكلام الجميل والتصريحات الوردية، وأياديهم ملطخة بدماء من يقتاتون بهم. ولا يكتفون بسرقاتهم الليلية لحاضرنا ومستقبلنا بل يتمتعون بتعذيبنا، عندما يتقمصون شخصية المصلح والنبيل، ويجعلون من عتاة الفاسدين دعاة للطهارة والصدق، حتى تختلط علينا الرؤى، ونفقد حاسة الصدق والتمييز بين الطيب والخبيث. ربما تنضم مثلي لفترة لجوقة الجالسين على الهامش والمتنعمين باسترجاع أطياف الزمن الجميل، والغارقين في الهم الأزلي والممتنعين عن ذم الزمان، قناعة بأن العيب فينا، ولكل أهل زمان عيوبهم، على أننا نعيش ما لم يعشه الأوائل من تداخل في الألوان، حتى ان الأبيض لم يعد أبيض، ولا الاسود اسود، بل هناك ألوان ودرجات ألوان أضاعت الحد الفاصل ما بين الفضيلة والرذيلة، وجعلتنا في امتحان ابدي امام قدرتنا على التمييز، وربما على الثبات على ما نعتبره جميلاً وفاضلاً، ودون ذلك تحمل ما يكال لنا «عمال على بطال» بأننا ندخل في زمرة جماعة في طريقها للانقراض ونصبح عرضة للتندر والسخرية لعجزنا عن مجاراة لغة العصر! ربما تتساءل لحظة تحت ضغط ما تفاجئنا به الحياة من تقلبات، وتظهره لنا من تناقضات بين صور عديدة لشخص واحد، هل الحياة لعبة لها فنون لابد من اجادتها؟ هل هي اشبه بمسرحية عبثية؟ او كما كان يحلو لعميد المسرح العربي الراحل يوسف بك وهبي أن يقول: ما الدنيا إلا مسرح كبير! أو لو ضمخّت روحك بعضاً من طيب الشفافية والزهد قد تردد قول الامام ابي حامد الغزالي: الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا، أي ان الدنيا غفلة عن الحقيقة وغرق في أوهام اللذة والتملك، وتبادل للادوار.. مع ذلك مازلت اؤمن بأن الدنيا تستحق ان تعاش، وان يذاق طعم حلاوتها ومرارتها وأن تخاض تجربة المواجهة الأزلية بين الخير والشر.