كان أمرا طبيعيا، نتيجة تدريسي الأدب العربي بلغة إنجليزية، أن أراجع الترجمات الإنجليزية المتاحة للأعمال الروائية المعاصرة في مكتبة هارفارد. ولحسن الحظ، وجدت عددا كبيرا من هذه الترجمات، الأمر الذي أتاح لي حرية الاختيار، وفرصة المقارنة بين مستوى هذه الترجمات. وبقدر ما لاحظت أن الرواية المصرية تأخذ النصيب الأكبر من حركة الترجمة، وذلك لتعدد موضوعاتها وتنوع اهتماماتها وتباين أجيال واتجاهات كتابها وكاتباتها، فضلا عن تفوقها العادي على غيرها من روايات هذا القطر العربي أو ذاك، فقد لاحظت أن حركة الترجمة إلى الإنجليزية لم تفت الأقطار العربية التي يجب ترجمة أعمالها، وسعت في حدود الإمكانات المتاحة للمترجمين والمترجمات إلى تغطية أفكار الأدب العربي كله. وماكان ذلك يمكن أن يتم إلا لمجموعة من العوامل التي أدت إلى تنشيط سوق الترجمة من العربية إلى الإنجليزية. وتشمل هذه العوامل ماحظي به الأدب العربي بوجه عام، والرواية العربية بوجه خاص، من سمعة جيدة نتيجة حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل. صحيح أن سمعة الأدب العربي أو الرواية العربية لا تضارع سمعة الأدب الياباني أو مكانة رواية أمريكا اللاتينية أو حتى روايات أفريقيا السوداء. ولكن مكانة الأدب العربي أخذت في التصاعد، وأصبح بإمكان المرء أن يعثر على روايات عربية لكتاب وكاتبات في المكتبات التي تبيع الروايات الحديثة، وأصبح من المألوف أن ترى اسم حنان الشيخ إلى جانب اسم اليزابيث أليندي، واسم عبدالرحمن منيف غير بعيد عن اسم كادارا، واسم نجيب محفوظ قريبا من اسم كالفينو أو كونديرا. ولا ينفصل هذا العامل عن عامل آخر يتصل بتصاعد أسهم الرواية بوجه عام. نتيجة تقديمها بواسطة السينما والتلفزيون بما يؤكد جماهيريتها، وبما يؤكد أننا نعيش في زمن الرواية. ويمكن أن أضيف إلى ذلك من الأسباب السياسية أو الاجتماعية ما يؤكد في حركة الاقبال على ترجمات الرواية العربية، خصوصا حين تكون هذه الترجمات بموضوعات تجذب انتباه القراء والمحللين السياسيين أو الاجتماعيين، مثل الموضوعات الخاصة بالحريم أو قمع المرأة أو التعصب الديني أو ما أشبه ذلك. لكن المؤكد أن تزايد عدد أقسام الأدب المقارن في الجامعات الأمريكية، جنبا إلى جنب تزايد أقسام الدراسات العربية أو دراسات الشرق الأوسط بوجه عام، وذلك في موازاة انتشار خطاب ما بعد الاستعمار، وتزايد تأثيره في إبراز معاني التعددية الثقافية وأهميتها، ومن ثم تقليص المركزية الأوروبية، أقول من المؤكد أن ذلك كله أضاف من عوامل التنشيط إلى سوق الترجمة عن اللغة العربية ما هو سبب ازدهارها الحالي. ولكن هذا الازدهار له جانبه السلبي إلى جانب جوانبه الإيجابية التي ينبغي الإضافة إليها . وأول مظاهر هذا الجانب السلبي أن حركة الترجمة الإنجليزية عن العربية الى اليوم، مثل غيرها من حركات الترجمة الى اللغات الأخرى، لا تزال عفوية، و غير مخططة، ولا تنال اهتمام المؤسسات الثقافية الضخمة أو القوية. ويترتب على ذلك أن أغلب هذه الترجمات تتم بجهود فردية، وبمبادرات ذاتية من هذا المترجم أو تلك المترجمة. وقد حاولت الهيئة العامة للكتاب في مصر النهوض بمشروع الترجمة عن العربية إلى الإنجليزية ، ولكن مستوى الترجمات، فضلا عن رداءة الطباعة والإخراج الفني، أساءت إلى الأعمال المترجمة أكثر مما قدمت إليها من نفع، وقد حاولت سلمى الخضراء الجيوشي تأسيس مشروع آخر، وأصدرت بالفعل عددا من الترجمات جيدة المستوى، لكن مشروعها سرعان ماتوقف نتيجة افتقاد الدعم المالي. وبقيت حركة الترجمة فردية، ذاتية، إلى أبعد الحدود، كما ظلت عشوائيتها هي الطابع المسيطر الذي يبرر مثلا الإسراف في ترجمة أعمال لا تستحق الترجمة، وعدم التوفر على استكمال ترجمة مايستحق بالفعل ومايجب ترجمته. ولم ينج من هذه العشوائية في تقديري إلا نجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل، فقد دفع ذلك الجامعة الأمريكية في القاهرة إلى شراء حق ترجمة كل أعمال محفوظ إلى الإنجليزية، ابتداء من (الثلاثية) و(الحرافيش) و(أولاد حارتنا)، مرورا بـ (اللص والكلاب) و(السمان والخريف) و(الطريق) و(دنيا الله)، وليس انتهاء بـ (بداية ونهاية) و(زقاق المدق) و(إخناتون ) و(ألف ليلة).. الخ وقد أدى ذك إلى أن أصبح نجيب محفوظ أكبر كاتب عربي مترجم إلى الإنجليزية ، بل الكاتب الذي دفعت مكانته الكثير من المترجمين إلى الاقبال على الأدب العربي. والواقع ان هذه العشوائية قد دفعت بعض المترجمين الشبان أو الشابات إلى المجيء إلى العالم العربي، والاعتماد على صداقات كانت هي المدخل إلى اختيار هذا العمل أو ذاك للترجمة. وقد فوجئت في المكتبة بأعمال مترجمة لا قيمة لها، ولا مبرر لترجمتها سوى أن هذا الكاتب أو هذه الكاتبة أكرم المترجم أو المترجمة، ودفعه إلى ترجمة عمله. ولا يخلو هذا الجانب من أصدقاء الهوى، أو من الوساطات غير البريئة، خصوصا إذا كان المترجم لا يمتلك الخبرة الكافية أو المعرفة اللازمة بالأدب العربي، وعندئذ يغدو فريسة سهلة لصداقات لا يهدف أصحابها أو صاحباتها إلا رؤية أعمالهم أو أعمال هن مترجمة بلغة أجنبية، والتشدق بهذا الأمر كما لو كان فخرا كبيرا. وواقع الأمر أن هذا النوع من الترجمة لا يجد من يقبل عليه ويظل توزيعه محدودا جدا إلى أبعد حد، وضرره أكثر من نفعه، لأنه لا يقدم صورة زائفة عن هذا الكاتب العربي أو الكاتبة العربية فحسب، وانما يسيء إلى تمثيلات الأدب العربي نفسها. والواقع أن أعمالا روائية عربية جيدة قد ظلمها هذا النوع من الترجمة، خصوصا بعد أن نهض بها مترجمون غير اكفاء. وليت الأصدقاء والصديقات من الكتاب والكاتبات العرب يدركون أن الترجمة الرديئة أكثر ضررا من عدم الترجمة، وانه من الأفضل للعمل الإبداعي أن ينتظر المترجم المتميز أو المترجمة القديرة للنهوض بعبء الترجمة التي تضيف إلى الأصل. واعترف انني كنت أهمس لنفسي، وأنا أتصفح الترجمات غير المتميزة والمليئة بالأخطاء، بأن أصحابها يستحقون ذلك لأنهم تلهفوا على الترجمة، وقدموا موافقاتهم الرسمية، بل دفعوا من حسبوهم مترجمين إلى الترجمة. وكنت أكرر لنفسي: يستحقون ماجرى لهم نتيجة ظنهم السابق بأن كل من يتكلم الإنجليزية قادر على الترجمة، أو أن مبتدئ يمكن أن يكون ناقلا أمينا مبينا بلغته هو. وأعتقد أن السخرية من الترجمات الرديئة لابد أن تقترن بالثناء على الترجمات الإنجليزية المتميزة، وفي المقدمة منها الترجمات التي نهض بها دينيس جونسون ديفيز، ومنها ترجمته المتميزة رائعة الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) وترجمته لرواية صنع الله ابراهيم (تلك الرائحة). ومن ذلك الترجمة التي قام بها هيلاري كيلباترك لرواية غسان كنفاني (رجال في الشمس)، وترجمة بيتر ثرو لرواية عبدالحكيم قاسم (المهدي)، وترجمة تريفور لي جاسيك الذي ترجم (الصبار) رواية سحر خليفة، وكاثرين كوبهام التي ترجمت (بوصلة من أجل عباد الشمس) التي كتبتها ليانة بدر، وفاروق عبدالوهاب الذي ترجم رائعة جمال الغيطاني (الزيني بركات) وقدم للترجمة ادوارد سعيد. ولا أنسى ترجمة دينيس جونسون ديفيز لقصص سلوى بكر، أو ترجمة مارلين بوث لمختارات من قصص الكاتبات المصريات، ناهيك عن ترجمات روجر آلان وعشرات غيرهم من المترجمين والمترجمات الأكفاء ، وهم المترجمون والمترجمات الذين يفرح المرء بجهدهم الذي جعل الأدب العربي المعاصر (وبخاصة الرواية) بضاعة رائجة في سوق الترجمة، وليت الجامعة العربية، والمؤسسات الثقافية العربية، تحتفي بأمثال هؤ لاء المترجمين والمترجمات وتتولى تكريمهم، ففي تكريمها لناقلي أدبنا إلى لغات العالم تكريم لأدبنا الذي مضى في طريقه إلى العالمية الحقيقية.