بداية يمكننا القول أن هذه هي أول ذكرى سنوية تمر منذ ثلاثة وخمسين عاماً ،تعتبر مبعثاً للتفاؤل، وتؤكد من جديد إمكانية الانتصار على الاحتلال وانسحابه دون قيد أو شرط من الأراضي المحتلة، إذا ما هيئت سبل ووسائل الانتصار المرتكزتين إلى القناعة الأكيدة بحتمية هذا الانتصار،بعيداً عن المساحات الجغرافية والآليات المستخدمة أو المسخرة لإنجازه والخرائط الطبوغرافية العسكرية. وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أن الانتصار، كان ولا يزال فعلاً ذاتياً يعبر عن صدقية من صنعوه في الجنوب اللبناني، وبمن اشتركوا بفعله فقد بدأت بشائره منذ العام 1982 م بعد أن اجتاحت قوات شارون أحياء بيروت الغربية، وارتكاب أبشع المذابح والمجازر بحق أبناء الشعب اللبناني والمخيمات الفلسطينية المتعبة بسبب الحصار الذي دام أكثر من مئة يوم، بحيث اعتبرت هذه المذابح نفخة الروح الأولى لتخرج طائر الفينيق المدفون بين ركام الضاحية وحي السلم ومخيمي صبرا وشاتيلا، ليؤسس قناعات كانت مغيبة بعض الوقت،بأن الجرح النازف هو وحدة القادر على تحقيق الانتصار، وأن الدم النازف سيبقى على الدوام منتصراً على السيف. لكن وبمعزل عن أن المساحة المتاحة في هذا المقام، لا تمنحنا كثرة الكلمات المدغمة أو المعسولة، لكن تحملنا الذكرى إلى القول إنه رغم الفاجعة التي أحلت بنا كأمة في العصر الحديث،والتي تمثلت باقتحام ثاني عاصمة عربية «بيروت» بعد احتلال العاصمة المقدسة الأولى في فلسطين، إلا أن هذا الاقتحام قد خلق قناعة على المستويين العربي عامة واللبناني الفلسطيني بشكل خاص، بأن بداية اندحار القوات الغازية من بيروت ومحيطها، سيؤسس لانتصار أكبر وأشمل وأعم على غطرسة القوة المدعومة من قبل أقوى قوة في العالم إن كان في تلك المرحلة أو في هذه الأيام. وعلى ما يبدو أن هذه القناعة،هي وحدها التي أنتجت قويً سياسية جديدة على مسرح الحدث، لم تكن لتوجد لولا هذه القناعات والفعل النضالي التراكمي الذي بدأ يظهر مدى فعالية عالية في دحر الاحتلال والذي وصل إلى مدينة صيدا، ليمتد فيما بعد إلى ما سمي بالشريط الحدودي، أو المنطقة العازلة، التي أحدثتها قوات الاحتلال الإسرائيلي لتبقى مبعثاً للقلق وعدم الاستقرار في المجتمع اللبناني. ومن الملفت أن هذه القوى اللبنانية الصاعدة،التي استفادت من التراكمات الوطنية منذ بداية خمسينيات القرن الماضي،والفعل النضالي الذي تبعه،قد توصلت إلى دحر الاحتلال عن جنوب لبنان، في يوم 25 مايو 2000، قد اعتبرت بجد بداية تحول في العقل السياسي العسكري العربي،بحيث بدأت تنهار الصورة المثالية التي كانت تعكسها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وكما أسلفنا القول أصبحت ثمة قناعة راسخة بأن إمكانيات الانتصار قابلة للتحقق على أرض الواقع، وغابت عن الذهنية العربية، ما كان يسمى اختلال التوازن بالقدرات العسكرية بين العرب وإسرائيل، وأن الاحتكاك اليومي واللصيق حيد جزءاً كبيراً من هذا السلاح الفتاك، مثل التفوق الجوي والنووي، الذي كان في الحروب الماضية مع العرب يعتبر العامل الحاسم لصالح اسرائيل في حسم أية معركة عسكرية نظامية. وبصرف النظر عن استذكار الماضي،تعتبر مزارع شبعا هذه الأيام مبعثاً للصراع الحقيقي مع الاحتلال، وأن الأيام المقبلة طال الوقت أم قصر تبشر بوقوع ما يسمى بالمحظور السياسي الأمني، لدى صانعي السياسة الإقليمية والدولية، خاصة بعد أن سقطت محرمات ما سمي بخط لارسون أو الخط الأزرق، من خلال جملة العمليات التي نفذتها المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، بداية من أسر ثلاثة جنود إسرائيليين وانتهاء بقصف المطعم العسكري المتقدم الذي يستخدمه جنود الاحتلال الإسرائيلي قبل عدة أيام مضت. والملفت بالأمر أن ما كان قبل التحرير للجنوب اللبناني وما يزال يجري قد تجاوز ما كان يسمى بالقرار 425 والقرارين 242 و338، وأن الجنوب اللبناني حسب القناعات الدامغة لدى القوى الوطنية والإسلامية ممثلة «بحزب الله»، خارج كل هذه الحسابات التي يحاول الإعلام الإسرائيلي والغربي التلطي خلفها لضبط إيقاعات التحرك اللبناني باتجاه تحرير كامل الأراضي اللبنانية التي ما تزال تحتلها قوات الاحتلال. بالاضافة إلى أن لبنان بات أكثر من أي وقت مضى عصي على تلاعب الأطراف، وتجاوز كل ما من شأنه أن يفصل موقف المقاومة عن موقف السلطة، والتي كانت فيما مضى هذه الأطراف بما في ذلك اسرائيل، تسعى لدق أسافين الفرقة والتشتت على المستوى الداخلي، وبالتحديد في ما يخص انتشار الجيش اللبناني في جنوبه المحرر بهدف تسخيره بشكل أو بآخر لخدمة أمن المستوطنين اليهود، المتواجدين في شمال فلسطين المحتلة. بموازاة ذلك يرى البعض أنه إذا كان القرار 425 قد أجاز المقاومة بكل أشكالها من أجل تحرير الأراضي المحتلة في الجنوب اللبناني، فان القرار 242 يعطى المقاومة شرعية أكبر وأشمل وأعم لاستكمال تحرير مزارع شبعا،من القرار 225، خاصة وأن مجموعة الحروب التي نشبت على خلفية نكسة حزيران في العام 1967،ما بين الدول العربية وإسرائيل،جاءت في إطار إزالة آثار العدوان، أي أنها جاءت لتذكر اسرائيل والغرب بضرورة تنفيذ القرار 242 الذي يطالب اسرائيل الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها بالقوة.وعلى خلفية هذا الفهم،دأبت بعض الأوساط السياسية العربية واللبنانية تشيع كلام مفاده، أن اسرائيل تفكر جدياً في أروقة وزارة حربها وخارجيتها،بالانسحاب من مزارع شبعا وملحقاتها دون العودة إلى طاولة التفاوض،التي كانت قد اشترطتها في مرحلة سابقة. لكن إذا افترضنا جدلاً أن اسرائيل ستنسحب بهذه الطريقة من مزارع شبعا، ماذا سيتبقى لها من أوراق على الجبهة السورية والجبهة الفلسطينية في ما بعد !!؟ الواقع أن اسرائيل ظاهرة استيطانية في التاريخ الحديث،وأن ليس بإمكانها الانسحاب بهذه الطريقة لا من مزارع شبعا ولا من الجولان ولا من الضفة الغربية وقطاع غزة،وهي ستبقى تضع العصي بالدواليب كما يقال من أجل خلق المشكلات وإثارة الضجيج الذي يؤمن لها على الدوام استدرار العطف من قبل حلفائها، والتفاف يهود العالم حولها. وطبيعة هذه الدول الاستيطانية العنصرية، لا يتوافق مع السلام والأمن أصلاً، بل إن استنفار الآخر على الدوام يسدي لها الكثير من الخدمات وترميم الذات، ودون ذلك ستصبح خلية سرطانية ضامرة تتلاشى مع مرور الزمن،خاصة وأننا نعلم أن أكثر من مليون جواز سفر للمستوطنين مصادرة بسبب طلبهم الرحيل خارج فلسطين، باتجاه الهجرة المعاكسة، وهذا ناتج عن جملة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وأن الذي يغير هذه الصورة كان وما يزال كما أسلفنا، استدرار عواطف حلفائها وبالتحديد الولايات المتحدة، وبإعادة الاعتبار لدور المؤسسة العسكرية الأمنية. وأن ما تشيعه في وسائل إعلامها هذه الأيام عن إمكانية انسحابها من مزارع شبعا من طرف واحد، إما لذر الرماد في العيون وتوجيه الأنظار عن ما يجري داخل فلسطين المحتلة ولو مؤقتاً، أو محاولة تجهيل الطرف الآخر،حتى يستكين لها ويأمن جانبها،من أجل ترتيب و ضعها الداخلي الذي يؤمن لها لاحقاً كل الإمكانات المادية واللوجستية للقيام بعدوان شامل عليه،قد لا يبقي ولا يذر. لكن السؤال الصعب والخطير، هل تستكين المقاومة في جنوب لبنان لهذه البالونات الإعلامية الإسرائيلية،لينقل النصر المظفر الذي تحقق قبل سنة إلى مأساة؟ أم أن المقاومة ما تزال تمتلك أسرار ومفاتيح اللعبة وقادرة على اكتشاف ما تخطط له اسرائيل قبل وقوعه؟ تبقى الأجوبة رهينة التطورات على المستويين الإقليمي والدولي، ومدى مصلحة الأطراف الدولية الفاعلة، وبالتحديد الولايات المتحدة في تغيير قواعد اللعبة من خلال قلب الطاولة، لتعيد ترتيب المنطقة كما يتماشى الأمر برمته مع مصالحها التي بدأت تهبط إلى الحضيض، على أقل تقدير على مستوى الشارع العربي العريض في منطقتنا من جهة، وانكفاء بعض الأنظمة على المستوى السياسي إزائها من جهة أخرى لممارساتها الفجة والمنحازة لإسرائيل، وقطع الطريق بالمقابل على قوى جديدة بدأت بالعمل الجاد من أجل عودة نفوذها إلى المنطقة من بوابة المصالح المتوازنة وإرساء السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، مثل روسيا والاتحاد الأوروبي. ـ كاتب فلسطيني