الفلسطينيون ليسوا الهنود الحمر، والى ان تدرك النخب السلطوية في الولايات المتحدة هذه الحقيقة الثابتة فإن رؤيتها للصراع العربي الاسرائيلي سوف تبقى خاطئة من الاساس والمنطلق. الذهنية التقليدية للنخب الامريكية المتعاقبة مسكونة بتشابه الحالة التاريخية الامريكية مع الحالة التاريخية اليهودية من حيث انشاء الدولة الامريكية والدولة الاسرائيلية على اساس اغتصابي للارض. ولكن اذا كان الامريكيون قد نجحوا في ابادة شعب الهنود الحمر المنشق على بعضه البعض قبائل وبطونا متناحرة لا يجمع بينها قاسم مشترك من عقيدة ايديولوجية فإن عليهم ان يدركوا ان الشعب الفلسطيني في نضاله التحريري ضد الكيان الاسرائيلي اليهودي يستند الى عقيدة دينية ذات انتشار عالمي في الحاضر والمستقبل وتراث حضاري يمتد في الماضي لنحو 15 قرنا ويمثل المرتكز الاساسي للثورة العلمية العالمية في هذا العصر. لهذا ماتت قضية الهنود الحمر بينما قضية الشعب العربي الفلسطيني المسلم ظلت تفرض نفسها بقوة من نقلة زمنية الى اخرى، على تفاوت درجات السخونة الى ان بلغت ذروتها اليوم وهي اشد عنفوانا من اي وقت مضى. ان الزمن ليس في صالح النخب الامريكية الحالية لانه مع تصاعد واستمرار المقاومة الفلسطينية المسلحة وتطورها من نقلة نوعية الى اخرى سوف تدرك الاجيال الصاعدة في الولايات المتحدة ان ما تعلمته من دروس التاريخ الامريكي المعاصر عن نهاية الهنود الحمر كقومية عرقية على يد عصابات المهاجرين البيض لا ينطبق على الشعب الفلسطيني، فشعب الهنود الحمر لم يكن ليعرف شيئا اسمه الاستشهاد من اجل العقيدة لحماية الارض والعرض، ولم يكن ليدرك القيمة النضالية للتوحد والتراضي فقد توزعته النعرات القبلية البدائية بحيث انه عندما كان العدو يستفرد بقبيلة فإن القبائل الاخرى كانت تتخذ موقف المتفرج ان لم يكن الشامت. وبعد ان تدرك الاجيال الامريكية الصاعدة ان قصة الشعب الفلسطيني تختلف عن قصة القومية العرقية للهنود الحمر فإنه سوف تنتظم الولايات المتحدة بيئة سياسية جديدة تفرز نخبا ذات ذهنية مختلفة، وحدوث هذا التغيير ليس بعيدا كما يبدو، ففي عقد الستينيات خرجت قطاعات الشعب الامريكي الى الشارع يتقدمها اساتذة جامعات ورجال قانون ونجوم سينمائيون وقضاة للمطالبة بخروج القوات الامريكية من المستنقع الفيتنامي بعد ان توالى وصول نعوش الشباب الامريكيين المجنديين بالعشرات تحملها الطائرات الى مطارات نيويورك وواشنطن. ورغم وحشية القمع البوليسي في التعامل مع المواكب الاحتجاجية في العاصمة الفيدرالية والعواصم الاقليمية كان المحتجون من الشباب يجمعون وثائق الاستدعاء الى الخدمة العسكرية في اكوام على نواصي الشوارع الكبيرة. ويشعلون فيها النار، وفي غضون سنوات قلائل وضعت الولايات المتحدة نهاية لوجودها العسكري في الارض الفيتنامية وخرجت قواتها تجرجر اذيال هزيمة لم يعرف التاريخ المعاصر لها نظيراً. ويجب ألا نندهش كثيرا اذا جاءت باكورة الاحتجاج في الولايات المتحدة ضد اسرائيل ولصالح المقاومة الفلسطينية من اليهود الامريكيين من ذوي البصيرة النافذة الذين يخشون انه بمرور الايام قد تنعكس التغطيات التلفزيونية للممارسات الوحشية للقوات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين على الساحة الامريكية كتراكمات انطباعية توقظ مشاعر جماهيرية مكتومة ضد الاقلية اليهودية الامريكية وأوضاعها الاحتكارية المتميزة. قد يكون امد هذا التغيير التاريخي قريبا او بعيداً.. لكن في هذه الاثناء لن ينعم يهود اسرائيل بالأمن.