حين أعلن شارون رئيس الوزراء الصهيوني مؤخرا أن حرب 1948 (حرب النكبة اغتصاب فلسطين) لم تنته بعد، رد عليه الكاتب الأمريكي ويليام فاف (لوس أنجلوس تايمز) هيرالدتربيون موضحا، أن هذه التصريحات تنتمي بالدرجة الأولى إلى أفكار وطروحات الجناح اليميني المتعصب (الإرهابي اصلا في السياسة الإسرائيلية ويقول الأستاذ (فاف) في هذا الصدد: (تلك هي الرؤية المتسقة التي ما برح بطرحها هذا الجناح اليميني من الحركة الصهيونية منذ بداية الصراع) فلاديمير.. هتلر ولقد نعلق على هذا موضحين بدورنا أن هذا الجناح اليميني الصهيوني يعود إلى مؤسسه الإرهابي الأول فلاديمير جابوتنسكى (1880 ـ1940) وهو يهودي روسي متعصب مولود في أوديسا التي كانوا يسمونها (إسكندرية البحر الأسود) وهو الأب الأعلى (إن كان يستحق وصف الأعلى أساسا) للحركة الإرهابية الصهيونية المسلحة ولم يكن صدفة أن وصفه بن جوريون بأنه ليس فلاديمير جابوتنكسي بل هو (فلاديمير هتلر) إلا أن أهم تلاميذه في مدرسة الإرهاب ومجازر القتل والمذابح الجماعية للمدنيين هو مناحيم بيجين ثم أرييل شارون وإذا كان الإرهابي الأول جابوتنسكى قد أعلن أن تحرير بلادنا (يقصد اغتصاب فلسطين العربية وإنشاء إسرائيل الصهيونية) لن يتم إلا بطريقة وحيدة هي حد السيف وإذا كان الإرهابي الثاني مناحيم بيجين قد وصف المذابح الجماعية الشائنة التي قادها ضد المدنيين العرب في قبية ودير ياسين وقد إرتكبت عصابات أرجون وزفاي ليومي وشتيرن الإرهابية كانت في رأي بيجين عملا رائعا من أعمال الاستراتيجية العسكرية. فها هو الإرهابي الثالث الراهن شارون يؤكد أن السلاح هو الوسيلة الوحيدة لكفالة الأمن للإسرائيليين وهي يعني أحدث الدبابات والطائرات والصواريخ والمروحيات التي تكسدها أمريكا على سبيل المعونة (!) في ترسانات إسرائيل. سياسة العصا والجزرة في هذا السياق أيضا يعود الكاتب الأمريكي ويليام فاف (المصدر السابق) إلى إنتقاد هذا السلوك الإرهابي من جانب قادة إسرائيل ويضيف الأستاذ فاف قائلا: إن شارون يتصور أن استمرار هجماته الإنتقامية على مراكز القيادة الفلسطينية أو بتلويحه بسياسة العصا والجزرة ترهيبا وترغيبا للجموع الفلسطينية ثم بإمعانه في هدم المنازل وتدمير البساتين وإتلاف السيارات.. وبعدها يعمد إلى وقف الإجراءات العميقة عن بعض المواقع الفلسطينية يتصور شارون خطأ أن إسرائيل سيكون بمقدورها أن تدق اسفينا بين الفلسطينيين وزعامتهم أو أن تقنع جماهيرهم بأن عليها إبرام تسوية السلام حسب شروط إسرائيل. ويخلص الأستاذ فاف من هذا التحليل إلى أن يقول: عندما يصدر شارون في تصريحاته تلك عن رؤية الجناح اليميني في الحركة الصهيونية على أساس أن حرب 48 لم تنته بعد في عقول الإسرائيليين، فمعنى هذا أنه لن يتحقق سلام (في المنطقة) في يوم من الأيام. ليس حبا في العرب ولنا أن نتصور بطبيعة الحال، أن هذا الكاتب الأمريكي، رغم موضوعية إطلالته على القضية حريص على سلام المنطقة أن موقع الحرص أساسا على سلامة إسرائيل وليس كما قد تتصور أيضا من موقع التغزل في سواد عيون العرب.. أو قد نزيد من إنصافنا لمثل هؤلاء الكتاب والمحللين في أمريكا أو في الغرب فنتصور أن حرصهم على سلام الشرق الأوسط ينبع أساسا من حرصهم على إدامة وتحقيق المصالح الاستراتيجية القومية العليا للغرب بعامة ولأمريكا بشكل خاص وفي مقدمتها كفالة تدفق البترول بأسعار معقولة لتصب حياة وحيوية ونشاطا اقتصاديا وعمالة وإزدهار في شرايين اقتصاد أمريكا وأوروبا الغربية. نصائح توماس فريدمان ومن الحريصين على أمن إسرائيل ومن ثم على استقرار المنطقة، وأيضا على إدامة وتفعيل دور أمريكا في هذا السياحة نجد الصحفي الأمريكي الذي بات مشهورا في الشارع العربي سواء لكثرة ما يردده في كتاباته من أراجيف أو إفتئات على الحق أو تجاوز للحقيقة فضلا عن كثرة ما يتردد بحقه من سيول الهجوم والنقد اللاذع في الميديا العربية بشكل عام. نحن نقصد بداهة الصحفي توماس فريدمان الذي لا نملك رغم كل ما سبق أن نتجاهل ما يقول، أولا: لأنه يقوله في بلاغة محكمة وفصاحة يحسد عليها، وثانيا: لأن لديه مخزونا من الخبرة المباشرة والمتراكمة والمتجددة بأحوال المنطقة ولاسيما منذ أيام إقامته التي طالت في العاصمة اللبنانية ببيروت، وثالثا: لأنه يفتح عيوننا وينير رؤانا لمجريات الأمور وأحيانا لإتجاهات الريح في مضمار السياسة الأمريكية.دع عنك أنه يكتب في نيويورك تايمز بكل نفوذها على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة. لقد استرعى نظرنا المقال الذي نشره مؤخرا توماس فريدمان في (نيويورك تايمز وإنتقد فيه وقوف أمريكا موقف المتفرج مكتوف اليدين أو إكتفاءها بأن تؤدي دور حكم المباراة الذي قد يلهث راكضا في ساحة ملعب الكرة أو قد يتابع بعينيه تقاذف وتبادل الكلمات المسددة بين خصمي المباراة دون أن يحرك ساكنا اللهم الا عندما يلفت النظر أو يرفع الراية أو يهتم بفك الاشتباك بين المتبارين فيما تتواصل الضربات واللكلمات من جديد. حكم المباراة توماس فريدمان يرفض هذه السلبية من جانب أمريكا ويحضها من وجهة نظره على أن تتخلى عن الاكتفاء بدور تحكيم المباراة الرائدة بين الصهاينة والفلسطينيين ومن ثم تبادر أمريكا في رأي فريدمان إلى أن تقول كلمة حق لكلا الطرفين، وربما لسائر الأطراف الداخلية في الصراع الدائر في الشرق الأوسط بصورة مباشرة وغير مباشرة على السواء أن فريدمان ينطلق من هدفين يطالب أمريكا بالإصرار عليهما وبرفع الصوت عاليا من أجل تحقيقهما وهما. أولا: وقف فوري لإطلاق النار . ثانيا: وقف فوري لإنشاء المستوطنات والمستعمرات وعندنا أن مجرد الحديث عن موقف إطلاق النار معناه اعتراف فوري وتلقائي بأن إنتفاضة الطرف الفلسطيني قد حققت أهدافها، لا من حيث هدف اقلاق العدو الصهيوني ولا تعكير صفوه ولا في الحاق الخسائر بصفوفه، ولكن من حيث رؤيتنا التاريخية للإنتفاضة بوصفها السبيل الأساسي المفضي إلى هدف تحرير الأرض المحتلة في الضفة وفي القطاع. صحيح أن شعبنا في فلسطين قد دفع، ومازال يدفع الثمن غاليا من أرواح أبنائه وواقع اقتصاده ورزق حياته، لكن الصحيح أنه يدفع نفس الثمن الذي سبق ودفعته شعوب أخرى جاءت بكل التضحيات من أجل تحرير أوطانها وأن كانت ظروف الشعب الفلسطيني أشد قسوة وعوامل التكافؤ بينه وبين عدوه الغاصب المحتل لا تكاد توجد من الأساس، الأمر الذي جعل هذا الشعب العربي المناضل ـ يقين ـ يصل إلى حد إبداع أسلوب لم يكد يسبقه إليه أحد في سجل النضال الوطني التحريري وهو إسلوب (القنبلة البشرية الجهادية الاستشهادية التي لا يضمن صاحبها وهو على التحقيق بطل مجاهد ووطنى شهيد بروحه وحياته من أجل أن يرتفع صوت شعبه ومن أجل أن تعلو كلمة الكرامة ومن أجل أن تسمو منظومة القيم النبيلة التي تستهدي بها جموع شعبنا المناضل في أرض فلسطين وهي قيم مستقاه بداهة من واقع التراث التحريري الكفاحي الإيماني المستند إلى عقيدة الإسلام. مصارحات أمريكية لإسرائيل نعود إلى توماس فريدمان الذي يوجه خطابه إلى أمريكا فيقول (نيويورك تايمز هيرالدتربيون): كلمة الحق تعني أن تواجه أمريكا إسرائيل صراحة كي تقول لها أنه إذا كانت المسألة هي الدفاع عن دولة يهودية ضمن حدود آمنة، فإن أمريكا ستقف إلى جانب إسرائيل.. ولكن أمريكا لن تدافع عن احتلال إسرائيل الأبدي للضفة الغربية ولن تدافع عن المستوطنات (المستعمرات) التي تم بناؤها بغير روية وفي رعونة في قلب دواخل التجمعات السكانية الفلسطينية الكبيرة.. بل إن أمريكا يضيف فريدمان سوف تدين إمعان إسرائيل في مصادرة المزيد من أراضي الفلسطينيين من أجل توسيع المستوطنات الإسرائيلية وهذه المصادرة أمر شائن ويجعل أي ترتيبات للسلام أمرا من الصعوبة بمكان ويبدو أن سلوكيات شارون الإرهابية الرعناء هذه قد استفزت قطاعات عديدة شتى حتى بين صفوف اليهود أنفسهم.. ها نحن نقرأ في الهيرالدتربيون مثلا مقالا كتبه دانبيل بروان وهو اعلامي يهودي يعمل في راديو فرنسا الدولي وعنوان المقال يدل على موضوعه حين يقول كاتبه : (إن إسرائيل تعبر عن أسوأ ما فينا والكاتب يحرص من وجهة نظره طبعا على تبيان الجوانب الإنسانية في عقيدته اليهودية. وقد لايكون في هذا الأمر ما يهمنا ولكن قد نقف بقدر من التأمل عند السطور التي ختم بها الإستاذ بروان مقالته تلك وقال فيها: إن هذه الحماقة المتفاقمة التي تشهدها اليوم إسرائيل والأراضي الفلسطينية تتعارض كثيرا مع جوهر تاريخنا وفلسفتنا اليهودية أن كل يوم يمضي ويشهد مواكب تشييع جنازات الفلسطينيين وإصابة جرحاهم ومصادرة ممتلكاتهم. وإنما يمثل مسمارا جديدا يدق في نعش الروح الإنساني لليهود وقد كان موقع اعتزاز لنا على مدى آلاف من السنين. مصالح أمريكا الاستراتيجية أما على صعيد التحليل السياسي فقد عادت الايكونومست البريطانية في أحدث اعدادها (أول يونيو 2001) لتؤكد كما سبق وفعل صاحبنا توماس فريدمان على دور أمريكا في التعاطي مع طرفي النزاع في الشرق الأوسط ولقد سبق لنا كاتب السطور أن عرضنا في معرض تحليلنا لسياسة إدارة بوش الجديدة إلى أن هذه الإدارة لن تضع قضية الشرق الأوسط ضمن أسبق الأولويات في بنود الأجندة السياسية الاستراتيجية التي وضعوها للرئيس الأمريكي الجديد يومها كتبنا عن إهتمامهم الأساسي بتطوير قوات أمريكا المسلحة وصولا إلى ما اصبح يسمى بـ (حائط الصواريخ وهي نسخة مجددة من مخطط حرب الكواكب الذي سبق إلى الدعوة إليه البيت الأبيض الجمهوري أيضا على عهد رونالد ريجان. يومها أيضا أوضحنا من زاوية محددة مؤداها بإيجاز شديد هذه. ـ تحجيم العراق. ـ احتواء إيران. ـ ضمان مواصلة تدفق النفط العربي. ـ ضمان أمن (وربما إزدهار) إسرائيل. ـ مزيد من ربط المنطقة بالثقافة والسوق والسلع وأساليب الحياة الأمريكية تحت شعارات العولمة. ـ محاولة إنشاء جسور من التعاون مع أطراف المنطقة تحت شعارات الدفاع المشترك ضد.. الارهاب. دور إنسان الإنتفاضة ونستطيع أن نقول بقدر كبير من الإطمئنان العلمي والموضوعي أن إنسان الإنتفاضة هو الذي غير إتجاه بوصلة الأحداث إلى حيث باتت أطرافا فاعلة شتى سواء أن الرئيس جورج دبليو بوش جدير بأن يوجه بوصلة اهتماماته بالذات إلى قارة أمريكا اللاتينية أولا بحكم كونها الردهة الخلفية كما يسمونها للولايات المتحدة ومنها تأتي سلبا مشاكل الهجرة الكثيفة غير المشروعة وتأتي خطورة (آفة تهريب المخدرات من كولومبيا (الكوكايين القاتل بالذات) وقد تأتي إيجابا آفاق السوق اللاتينية الواعدة والمفتوحة أمام المنتجات الأمريكية. إطلالة أمريكا على الشرق الأوسط كانت ستكتفي بالتعامل مع قضايا المنطقة داخل أمريكا أو بين حلفائها الغربيين تطالب بفعالية التعاطي مع جوهر قضايا الشرق الأوسط متمثلا في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وهو صراع تحريري، ضد استعماري بالدرجة الأولى. في هذا السياق نعود إلى (الايكونومست) التي كتبت افتتاحيتها الرئيسية لتطالب أمريكا بأن تجد مخرجا من الموقف البالغ التأزم في رأيها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي تقول (الايكونومست) - لو استمر هذا الصراع مشتعلا فلسوف تنتقل شراراته وألسنة لهيبه حيث يبدأ بإصابة الحكومات العربية التي يشكل وجودها أهمية بالنسبة لمصالح أمريكا الذاتية سواء كانت تتعلق بالنواحي الاستراتيجية أو تتصل بقضايا الطاقة.. ولاغرو أن العالمين العربي والإسلامي يدركان بأن أمريكا ضالعة بعمق في مشاكل المنطقة من خلال مساندتها التي لا تفتر لإسرائيل التي تتلقى 3 مليارات من الدولارات الأمريكية كل سنة، فضلا عن تأييد أمريكا لإسرائيل على طول الخط داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ناهيك عن تواصلها مع معظم سياسات إسرائيل. نحن لا ندعو - تضيف الايكونومست ـ إلى فصم الرابطة بين أمريكا وإسرائيل لكن الصداقة بين طرفين لا تحول دون المصارحة والنقد النزيه بينهما وفي هذا المضمار لا تكفي تلك النداءات الجوفاء التي ظلت أمريكا توجهها من أجل وضع نهاية للعنف المحتدم في المنطقة.. تلك مناشدات لن تؤدي إلى إنهاء العنف من جهة ولن تساعد على استعادة سمعة أمريكا في الشرق الأوسط من جهة أخرى. ـ كاتب سياسي من مصر