لماذا يتردد المخالف لأي قانون بالمجتمع في تسليم نفسه للعدالة طوعاً دون عناء يكابده او يكابد رجال الشرطة الذين يبذلون الجهود للوصول اليه؟! ما هي الضمانات التي تقدمها الشرطة بكل أجهزتها لعدم تعرض هذا الانسان المخالف لسيل من الاجراءات التي تحط من كرامته كإنسان لا يحرم من الحقوق العامة حتى لو حرم من الحقوق الخاصة وفقاً لتطبيقات أحكام القوانين المختلفة. هناك مشكلة معروفة بين الفرد المخالف والأجهزة الامنية المختلفة في اي مجتمع وهي تتعلق بالثقة التي توفر عنصر الاطمئنان الى رجل الأمن، بحيث يأخذ في الاعتبار الدوافع النفسية التي جعلت من شخص ما صاحب رغبة جامحة لتسليم نفسه اذا أمن الاهانة وليس العقوبة، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب. نعرف كذلك أن الشرطة من واجباتها الحيوية الحفاظ على تطبيق القوانين الخاصة بالحفاظ على الأمن العام والخاص في المجتمع، وفي هذا الاطار قد تحدث تجاوزات انسانية يتحدث عنها المخالف أو المتهم، قد تضيع له حقوق في الطريق الى تحقيق العدالة. بالأمس القريب طالب السجناء في ايطاليا المسئولين عنهم في السجن باعطائهم اجازة ليوم واحد راحة في الاسبوع بعد ان انهكتهم الاعمال الشاقة التي يمارسونها بحكم القانون. فمفهوم الاجازة حق عام لكل انسان الا ان القانون قد يحرمه لدواعي الأمن، ولكن لو كانت الاجازة او الراحة دافعا لتنفيذ القانون الخاص بالعقوبة المحددة، فهنا يكون الحرمان بلا معنى، فالقانون فلسفة وغاية عندما يحتاج الأمر الى حسن التطبيق وتحقيق الهدف. من هذا الباب، فإن القانون يقف مع الحق باطلاق، فعلى اساسه اصدرت المحكمة الدستورية العليا في ايطاليا حكما بأن السجناء الذين يعملون في السجون لهم الحق نفسه في أخذ عطلة مثل العاملين الايطاليين العاديين، وقد صدر هذا الحكم استجابة لطلب قدمه قاض في صقلية تلقى بدوره طلبا من أحد النزلاء العاملين في السجون يطلب فيه عطلة عن العمل. هذا في ايطاليا، اما في كولومبيا، بعد ان فسر عدد من السجناء من سجن كالوتو الجبلي عاد 12 منهم بعد ثلاثة ايام وطلبوا قبولهم فيه من جديد، وكان الفارون قد زاروا عائلاتهم وأصدقاءهم، بيد انهم قرروا العودة الى السجن للافادة من قانون يقتضي مسامحة الهارب اذا عاد طواعية خلال 72 ساعة من فراره. وفي الامارات، بعد ان فشلت جميع محاولاته في الخروج من البلاد بالطريقة التي دخلها متسللاً آثر رجل يمني تسليم نفسه الى الشرطة لتفادي مخاطر العودة الى بلاده في رحلة برية محفوفة بالعديد من المفاجآت غير السارة. وهكذا عندما يتحول اللجوء الى القانون واحة للأمان، يقلل من خطورة المخالفين على الأمن العام للمجتمع، فبقدر ما كان للقانون روح في التعامل مع الانسان، كان التوافق والتوازن هو السبيل الوحيد لانقاذ المخالفين من أنفسهم قبل غيرهم.