«البحر»: اشتكى البحر يوماً فقال: أنا الذي كنت مآل أهل هذه الأرض، رزقهم في مياهي وتجارتهم تمر على صدر عبابي وثروتهم في أعماقي، كنت أملهم وقوام حياتهم، فلما منّ الخالق عليهم بالثروة ثروة الزيت الأسود تركوني، لأغراب جاؤوا من البعيد البعيد، لغتهم لا تروق لي وأفعالهم تجرح صفاء أعماقي قراصنة في أثواب بحارة يسطون على أقفاص الصيد التي ينتظرها ذلك البحار الذي يبيت يحلم برزق وفير حتى إذا غدا بعد حين يطلب الرزق أسماكاً في أعماقي لم يجد شباكه ولا أقفاص صيده لقد سطا عليها البحارة الاغراب، انهم يسيئون اليّ والى شرف المهنة في عبابي. فأين بحارتي القدامى أين اولئك الرجال الذين لونت جباههم وسواعدهم شمسي ودبغ جلودهم ملحي وأخشنت أكفهم حبالي أين هم يعيدون لي ذلك الماضي المجيد؟ «الصحراء» واشتكت الصحراء فقالت: لقد كنت الذهب ممتداً بلا حدود رمالي تتعطش الى رؤية الغمام كما تتعطش قلوب المحبين الى رؤية الاحباب، حتى إذا جاءت مواسم السقيا استبشرت فإذا انهمرت أفواه الغمام ارتويت واهتز مني كل موات بالحياة فأينعت وأزهرت وفرح البدو بي والحضر، البدو يرعون جمالهم يشبعونها كلأ وماء، رجالهم فرحون بزهوي واخضراري فلقد آن لهم ان يكرموا ضيوفهم فلقد سمنت الماشية ودرت الضروع، هكذا كنت وما عدت هكذا تركني الناس لم يعد البدو بدواً تحضروا وليتهم تحضروا حقاً فليست الحضارة عربات فارهة وبيوتاً تشبه القصور ونعومة وترفاً ليتهم تحضروا من الداخل في الارواح والنفوس، وليتهم ما زحفوا علي بالبنيان حتى قتلوني. النخلة واشتكت النخلة فقالت: كنت حلوى الغني وطعام الفقير عزيزة غالية خوصي فراش وجريدي بيوت وجذوعي حطب وسعفي ظلال وقد كنت في مزارع لا يملكها الا القادرون، اما الآن فأصبحت زينة الشوارع أزرع في كل مكان، عاف الناس تمري الى حلوى غريبة تزيدهم سمنة وامراضاً وأدواء، لا يعرفون لها شفاء وأصبحت رغم كثرتي قليلة الفائدة لا يعرف قدري الا من عاش أيام عزي ولا يعرف قيمتي الا من قضى الظهيرة في ظلي فإذا جاع هز اليه جذعي وأكل من رطبي وخبأ منه في صيفه لشتائه فكان رطبي له تمراً وحلوى في ليالي الشتاء الطويلة فأين أنا الآن من ذلك العز رعى الله أياماً مضت لي لا تعود. السماء واشتكت السماء فقالت: رحم الله زماناً كنت فيه صافية نقية لا تحجب زرقتي عن عيون الخلق دخان، زمان كنت فيه زرقة مطلقة تكحل الأعين وتغمر النفوس يوم ان لم يكن من دابة على الأرض تدب الا مما فيه روح مما لا تصعد بقاياه وبقايا طعامه الي بل تهبط الى الارض تغذيها وتكون لنباتها غذاء فلما ظهرت الجمادات المتحركة ودبت على الأرض تعطلت دواب الحمل والبحر من مخلوقات الله وحلت محلها مصنوعات البشر التي تصعد مخلفاتها الي تحجب زرقتي في النهار وتغيب نجومي في الليل حتى كاد أهل المدن ان ينسوا ان لليل اشياء غير الظلمة وان لليل نجوماً وأقماراً فليت ذلك العهد عهد الصفاء يعود.. salzomr@hotmail.com