لعله من الصعب التصديق حقا ان تقرير لجنة ميتشل التي يرأسها السناتور الامريكي المسماة باسمه، يمكنه ان يشكل فعلا اطارا جديا لانقاذ عملية السلام المنهارة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. فهذه اللجنة التي شكلت غداة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في الاراضي المحتلة، كان يراد لها ان تكون حلا وسطا بين مطالبة الفلسطينيين بلجنة دولية للتحقيق في عمليات القتل التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي ضد المتظاهرين الفلسطينيين في القدس، وبين رفض اسرائيل لفكرة وجود رقيب يسجل هذه الانتهاكات. لذلك قررت ادارة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون، وامام الاحراجات الكثيرة التي تعرضت لها، وتلافيا لاحراجات اخرى في مجلس الامن، ان تقترح تشكيل لجنة تقدم شيئا ما «أي شيء» للعالم عما يحدث، وهكذا انبثقت لجنة ميتشل. ولم يكن من صلاحيات اللجنة ان تقرر من هو المتسبب بأعمال العنف، ومن يتحمل مسئولية ما يجري، ومن الذي تراجع عن تطبيق الاتفاقات السلمية، وما هو مصير الاتفاقات المبرمة، كما لم يكن من صلاحيتها ان تبحث فيما اذا كان ثمة علاقة بين اندلاع المواجهات وبين حالة الاحباط التي تسود الفلسطينيين جراء استمرار الاحتلال الاسرائيلي وانسداد الافق امام اي حل عادل ومقبول للقضية الفلسطينية عدا ان تقرير اللجنة في نهاية المطاف ليس ملزما لكلا الطرفين ولا يحمل اية صفة دولية. لقد انحصرت مهمة لجنة ميتشل في البحث عن اسباب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، هل هي بسبب زيارة شارون المشؤومة للحرم القدسي في سبتمبر الماضي، أم ان الانتفاضة كما تقول اسرائيل كانت عملا مبيتاً من جانب السلطة الفلسطينية وجاء تقريرها بعد سبعة اشهر خلوا من هذا وذاك. اقول ان من الصعب تصديق ان تقريرا تصدره لجنة بهذه الصلاحيات والطبيعة يمكن فعلا ان يتمخض عنه عمل جاد وحقيقي لانقاذ الوضع المتدهور في المنطقة. لكن الادارة الامريكية التي قررت أخيرا الاستجابة لنداءات واستغاثات الحكومات العربية لاخراجها من مأزق عجزها تجاه ما يحدث في المناطق الفلسطينية، اعتبرت فجأة ان تقرير ميتشل يصلح ان يكون اساسا او اطاراً لاستئناف المفاوضات السلمية بين الفلسطينيين والاسرائيليين! وفجأة التقطت مختلف دول المنطقة، بما في ذلك اسرائيل، الاشارة الامريكية وراحت تنفخ في صورة اللجنة وتقدمها كمنقذ للوضع، يستأهل الاحتفاء والترحيب الحارين، دون ان تخطئه بيانات وخطب القادة وزراء الخارجية العرب والمسلمين. وهكذا وجدنا ان هناك من يوافق على تقرير لجنة ميتشل ويلح في تطبيقه كاملا، في حين هناك من يتعامل معه بانتقائية فيطبق ما يريد ويحذف ما لا يريد، وذهب آخرون الى ضرورة انتهاج حلا وسط بين هذا وذاك. اي ان تقرير اللجنة يوشك ان يصبح هو موضوع الخلاف الرئيسي وهو مربط الفرس وليس الاحتلال الاسرائيلي وليست الانتفاضة الفلسطينية. إن من يراقب الاداء الاسرائيلي في التعامل مع لجنة ميتشل منذ البداية لابد ان يخالجه شعور بأن ثمة تكتيكاً يكمن خلف المواقف الاسرائيلية. ففي البداية وافقت حكومة ايهود باراك على التعامل مع اللجنة في حين رفض الجانب الفلسطيني ذلك وبعد انتخاب ارييل شارون ورفض هذا الاخير الاجتماع مع اعضاء اللجنة قبل ان يوافق على ذلك بينما وافق الفلسطينيون في الحال على التعاون معها. وحين اعدت تقريرها الذي سلم للطرفين قبل فترة، كانت الردود متباينة حياله، فبينما رفضته الحكومة الاسرائيلية وافقت عليه السلطة الفلسطينية، وكان الرفض الاسرائيلي سببا للتمسك الفلسطيني الاضافي بالتقرير ثم عادت اسرائيل بعد ذلك وقالت انها تتحفظ على تقرير ميتشل ولا ترفضه. وبعد زيارة وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز لواشنطن عادت الحكومة الاسرائيلية لتقول انها تقبل بالتقرير ولكن تتحفظ فقط على البند المتعلق بوقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية، واخيرا فإن شارون اعلن قبوله بتقرير لجنة ميتشل وان لم يذكر صراحة موافقته على تجميد الاستيطان. ماذا يعني كل ذلك؟ انه يعني بكل بساطة ان ثمة جهداً امريكياً اسرائيلياً وربما عربياً ايضا، لتلميع وتسويق تقرير لجنة ميتشل، وبما يؤمن تحقيق مطلب اسرائيل والولايات المتحدة وكثير من الحكومات العربية في وقف المواجهات في الاراضي المحتلة، واعادة الحياة الى عروق العملية السلمية. لجنة ميتشل ان لجنة ميتشل هي من بنات افكار ادارة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون وجاء تشكيلها اثناء قمة شرم الشيخ التي عقدت في مصر في اكتوبر الماضي، وحضرها الامريكيون الى جانب الاسرائيليين والفلسطينيين. وتشكلت اللجنة بالاضافة الى السناتور الامريكي السابق جورج ميتشل «رئيسا» من كل من مسئول العلاقات الخارجية في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا والرئيس التركي السابق سليمان ديميريل ووزير الخارجية النرويجي ثوربيون ياغلاند والسناتور الامريكي السابق وارن رودمان «كأعضاء». كان الهدف من هذه اللجنة هو الحيلولة دون ارسال لجنة تحقيق دولية للاراضي الفلسطينية والقمع الاسرائيلي الوحشي لها، وزارت اللجنة منذ اوائل العام الجاري عدة مرات اسرائيل وعدد من المناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة بالاضافة الى الحرم الشريف في القدس. وقد هددت اللجنة في فبراير الماضي بحل نفسها ما لم توافق الحكومة الاسرائيلية الجديدة على التعاون معها، لكنها عادت لتقول ان الاتصالات المبدئية توحي برغبة رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون في التعاون. وكانت اسرائيل علقت تعاونها مع اللجنة في يناير فترة من الوقت احتجاجا على زيارة اعضاء اللجنة منطقة الحرم الشريف في القدس دون تنسيق مع سلطات الاحتلال. وفي شهر مايو الماضي قدمت اللجنة مسودة من تقريرها الى الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي وتسلمت ردودهما عليه في منتصف الشهر. ومن المقرر ان يعلن الرئيس الامريكي جورج بوش محتوى التقرير رسميا نهاية مايو الحالي بعد التشاور مع امين عام الامم المتحدة كوفي عنان. مضمون التقرير يمكن القول ان التقرير الذي خلصت اليه لجنة ميتشل جاء في مضمونه الأهم لصالح اسرائيل، فهو أولا يبريء شارون من التسبب في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية وفي هذا الصدد يقرر «ان زيارة شارون ليست السبب في اندلاع انتفاضة الاقصى ولكنها جاءت في الوقت غير المناسب، وكان من المفترض توقع تأثيرها الاستفزازي. وثانيا هو لا يأتي على ذكر ارسال لجنة دولية للتحقيق في اعمال القمع الاسرائيلية. وانما ينصح الجانبين بالاستعانة عند الضرورة بالمراقبين الدوليين الموجودين في مدينة الخليل للمساعدة في اعادة الثقة. اما بالنسبة للقمع الاسرائيلي فإن التقرير لم يحمل اسرائيل اية مسئولية عما جرى او يجري في الاراضي المحتلة، ويكتفي بالقول ان جنود الاحتياط وصفوف الضباط والضباط الشبان وهي الفئات الاكثر تعرضا لوجودها في اماكن الصدام هم من الشبان وغالبا من المراهقين ولذلك نعتبر من الضروري ان ينشر الجيش الاسرائيلي جنودا اكبر منهم سنا ويفوقونهم في الخبرة في هذه المناطق الحساسة، وبالتالي فإن على الجيش الاسرائيلي ان يعتمد طرقا تهدف الى خفض عدد القتلى والجرحى في مواجهة المدنيين عبر الامتناع بشكل خاص عن الاستخدام المعمم للرصاص الحي المغلف بالمطاط مقابل استخدام رصاص مطاطي فقط. النقطة المهمة الوحيدة في هذا الصدد هي الاعتراف بالعلاقة الوثيقة بين المواجهات واستمرار الاستيطان الاسرائيلي وفي هذا الصدد يؤكد التقرير انه سيكون من الصعب التوصل الى وقف اعمال العنف الاسرائيلية الفلسطينية من دون ان تجمد الحكومة الاسرائيلية اعمال البناء في المستوطنات، وعلى الحكومة ايضا البحث بانتباه في ما اذا كانت المستوطنات التي تشكل مواقع صدام مهمة عملة مقايضة. مقبولة في مفاوضات مستقبلية او مصدر استفزاز قابل لاجهاض اي استئناف لمفاوضات بناءة، ولذلك فهي توصي انه على الحكومة الاسرائيلية ان تجمد اعمال البناء في المستوطنات بما فيها تلك التي يبررها «النمو الديمجرافي الطبيعي للمستوطنات الموجودة». لكن التقرير في المقابل يحمل الفلسطينيين جانبا كبيرا من المسئولية عما حدث فهو يقول ان ثمة غموضاً مقلقاً في الجانب الفلسطيني فيما يتعلق بالمجال الاساسي للمسئولية ان قصور السلطة الفلسطينية في السيطرة على اعضائها والعناصر التابعة لها امر مقلق جدا، ونحن نناشد السلطة الفلسطينية اتخاذ كل التدابير الضرورية لايجاد نظام قيادي ذي صلاحيات واضحة للعناصر المسلحة العامة تحت سلطتها. ويوصي بأن على السلطة الفلسطينية ان تؤكد بوضوح وعبر اعمال ملموسة ان الارهاب غير مقبول ويستحق الادانة وانها لن تتوانى في بذل اي جهد لمنع ارتكاب اعمال ارهابية ومعاقبة مرتكبيها وعلى السلطة الفلسطينية ان تمنع رجالا مسلحين من استخدام مناطق فلسطينية مأهولة بالسكان لقصف مناطق سكنية اسرائيلية ومواقع للجيش الاسرائيلي. وفيما يتعلق باستئناف العملية السلمية يوصي التقرير السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية «العمل سويا من اجل التوصل الى فترة تهدئة واستئناف جهودهما الرامية الى تحري وادانة واحباط التحريض على العنف بمختلف اشكاله وتأكيد التزامهما احترام الاتفاقات الموقعة ووضع حد للعنف على الفور ومن دون شروط. وكما هو واضح فإن التوصية الاخيرة «اي وقف المواجهات من دون شروط» هي في الحقيقة النتيجة الاساسية التي تشكلت لجنة ميتشل من اجلها وهي السبب في الترحيب الذي حظى به تقريرها. فما الجديد والجوهري الذي يقدمه هذا التقرير والحالة هذه كي يستطيع فعلا ان يعيد سوية الاوضاع في المنطقة الى طبيعتها، طالما انه لا يتحدث عن الاحتلال الاسرائيلي ولا يتحدث عن قمع الفلسطينيين ومأساتهم، ولا يتحدث عن جوهر المشكلة؟ الله وحده يعلم. ـ كاتب بحريني