تشرفت باستضافة قناة الجزيرة لي للتعليق المباشر على افتتاح الاجتماع الطاريء لوزراء الخارجية لمنظمة المؤتمر الاسلامي المنعقد بالدوحة يوم 26 مايو الجاري، وهي لحظات ثمينة لكل رجل اتصال تتاح له فرصة التحليل السياسي المباشر بحرارته واتساع بثه في مختلف انحاء لعالم، واستمعت ورأيت من مقر الاجتماع ذلك التحول العميق على صعيد الامة الاسلامية من حالة الظاهرة الصوتية الى حالة الفعل والانجاز والارادة واحسست بأن هذه الأمة بلغت اولى درجات الوجود الحضاري المطلوب وهي درجة التوافق بين ارادة الراعي وارادة الرعية، هذا التوافق الذي كان مغيبا على مدى عقود الصراع العربي الاسرائيلي وغذته القوى الصهيونية بتعميق الخنادق بين الحكام وبين المجتمعات المدنية، ولطالما سمعنا زعماء الصهيونية منذ بن جوريون وجولدا مائير وموشى دايان واسحاق شامير ونتانياهو في خطبهم المسوقة امريكيا من خلال منظمة «الايباك» يرمون الدول الاسلامية بالاستبداد وانعدام الديمقراطية الى درجة ان نتانياهو كتب مقالا في الصحافة الاسرائيلية في شهر مارس 2001 يقول فيه: لا يمكن ان نثق في العرب لان العهود التي نوقعها معهم تبصم عليها حكومات غير منتخبة ولا تمثل شعوبها..» حتى جاء هذا الاجتماع الطاريء ليؤكد العكس فقد تكلم القادة باسم شعوبهم وبلسانها واستجابوا لارادتها وهي ارادة مقاومة وكبرياء وعنفوان لا ارادة سلام مائع جائز وسلام العجزة القاعدين. تكلم أمير قطر حفظه الله بلسان مليار ومائتين وخمسين مليون مسلم فكان كلامه دعوة للصمود والمقاومة ولقد قرأ الانتفاضة على حقيقتها اي اقوم المسالك نحو السلام الحقيقي الذي لا يمنحه المحتلون الظالمون بل يصنعه الابطال بدماء الشهداء. كما دعا الامير الى تجاوز محنة الاستنكار والتنديد الى الدعم الميداني بالمال والسياسة والاعلام وفضح لعبة الكيل بمكيالين،: ففي حين يصرخ العالم بصوت عال لحماية حقوق الانسان ونصرة الشريعة الدولية في كل مكان يسمح بانتهاك هذه الحقوق وتدوس هذه الشريعة على أرض فلسطين المغتصبة ضد كل الاعراف الدولية وضد قرارات منظمة الامم المتحدة وضد قرارات مجلس الامن بل وحتى ضد الدستور الامريكي الذي ينص جهاراِ على عدم استعمال السلاح الامريكي ضد المدنيين بينما استعمل الجيش الاسرائيلي طائرات F 16 لضرب بيوت الآمنين ودك حقوق الزيتون والرمان واغتيال الابرياء ولهذا السبب توجه الامير بالخطاب الى الرئيس الامريكي دبليو بوش لوقف العدوان الذي ينذر باشعال المنطقة كلها اذا ما تفاقم الخطب، وتواصلت الحرب الشرسة الوحشية الاسرائيلية التدميرية للقضاء على شعب فلسطين وارضه وزرعه ونسله.. وبالتالي محوه بالقوة الغاشمة من خارطة الشارقة الاوسط وقبل عقد الاجتماع قرأنا ما صرح به الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشئون الخارجية وهو تصريح من دولة عربية عرف العالم صدق توجهاتها وصحة خياراتها، دولة تعتز بعروبتها وتعتد باسلامها لا تخشى في الحق لومة لائم، وقد تفاعلنا بصدق مع غضب سمو الشيخ حمدان ضد الانحياز الامريكي الواضح وتذكرنا بما عرفناه من مواقف والده المبجل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله عندما يصر دائما على وضع النقاط على الحروف دون مجاملة فيما يعتقده الحق، وهذان الموقفان ـ من قطر والامارات ـ يزنان ذهبا خالصا لانهما صدرا عن دولتين مهتمين من دول مجلس التعاون تربطهما بالولايات المتحدة علاقات سياسية وتاريخية وثيقة لكنهما وامام التخبط الدبلوماسي الامريكي يشعران بخطر الانحياز الظالم للقوة الاسرائيلية العمياء التي تهدد ارض الرسالات بالتهويد وتهدد الرأي العام العالمي بالتزوير وتهدد السلام الدولي بالانفجار. ونحن واثقون ان لهجة الحق والجرأة بازاء الراعي الأمريكي لابد أن تدفع أروقة القرار الأمريكي ـ من بيت أبيض وكونجرس وشركات عملاقة ـ إلى اعادة حساباتها حسب مصالحها في المنطقة. ولابد كذلك أن نشير إلى تغير الخطاب السياسي لجامعة الدول العربية التي ظلت على مدى العقد الأخير عاجزة عن تجاوز الأزمة العميقة المستفحلة في ميثاقها وآلياتها، فسمعنا لغة جديدة على لسان الأمين العام الجديد عمرو موسى يرسم ملامح خيار آخر غير السلام المفروض على العرب الذي هو استسلام، فقد حمل الرجل أمانة الصمود لكل العرب ثم أعلن بيان اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي الصادر يوم 26 مايو تبني تلك الأمانة العربية وتوسيع رقعتها لتغطي الأمة الإسلامية ـ أي سدس سكان المعمورة ـ. إنها بشائر خير والخطوة الأولى على طريق السلام الشامل العادل الذي سيكون نتيجة مقاومة صامدة باسلة لا نتيجة قهر وجبروت وطغيان. لقد كان تشخيص الصراع العربي الاسرائيلي صحيحا وسيكون العلاج نافعا بلا شك. فلا يمكن بعد اليوم أن تعول اسرائيل على ما سماه الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت ايزنهاور بالعالم العربي المختل حين قال للصحفي ستيفن امبروز عام 1958: «دعك من العالم العربي.. فهو عبارة عن زعماء يطالبون بالسلاح يحكمون شعوبا تطالب بالخبز...». لم يعد ممكنا اليوم أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي أمام فاجعة من فواجع القرن العشرين والحادي والعشرين. وقد نالت جمهورية صربيا جزءا ما على يد الحلف الأطلسي منذ عامين على أقل من هذا، حين دفعت مسلمي كوسوفو للهجرة والتشرد. ونحن اليوم بازاء أفظع عملية تطهير عرقي من الجذور، أي تبدأ من اغتيال أطفال مثل محمد جمال الدرة والرضيعة ايمان حجو إلى اغتيال المراهقين المسلحين بالحجارة (450 منهم سقطوا شهداء) إلى اغتيال القادة والنشطاء الوطنيين (60 منهم اغتيلوا غدرا) إلى تعويق الآلاف من الشباب والنساء والأطفال يرقدون طريحي المستشفيات (28 ألف جريح ومعاق حسب خطاب ياسر عرفات). ولا تتورع اسرائيل عن استعمال اليورانيوم المستنفد ولا قنابل النابلم الحارقة ولا الغازات السامة. إنها مأساة القرن تدور فصولها على المسرح العالمي وأمام الدنيا بأسرها في صمت مخجل وفي كنف خرس الضمائر ... بل بالعكس فان الآلة الاتصالية والاعلامية كما اتفق جميع المتكلمين في اجتماع الوزراء، تدور رحاها لتزوير التاريخ وتزوير الحاضر وتقديم العرب والمسلمين كارهابيين للذاكرة الجماعية الدولية المخدرة بالأكاذيب والبهتان. وكان الأمر الأكثر غرابة هو صدور فتاوى دينية عربية شككت في استشهاد الشهداء أصحاب الأعمال الفدائية الجليلة، وإلى درجة اننا دعينا كعرب ومسلمين إلى اعلان المقاومة ضد لعبة بوكيمون وإلى التلهية بتطليق فلان من زوجته أو فلانة من زوجها، كأنما حللنا كل معضلاتنا الكبرى وحسمنا أمرنا مع أعدائنا، في حين اننا مهددون بطردنا من دائرة الحضارة الإنسانية الحديثة بمؤامرة معقدة وواسعة الشبكات ومتعددة الرؤوس. (فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) البقرة: 64. ـ أستاذ الاعلام بجامعة قطر