فيما يتعلق بحكمة عدم استفزاز الولايات المتحدة منظمة «المؤتمر الاسلامي» مع اجتماع نظرائهم وزراء الجامعة العربية، وما يسبق او يتبع اي من الاجتماعين الوزاريين من اجتماع قمة. ولكن مع ذلك ورغم ذلك ليس من الانصاف حصر اللوم العربي او الاسلامي كله على هؤلاء او اولئك اذا كان ياسر عرفات المفترض ان يكون صاحب القضية بالاصالة هو اول من يتقدم الصفوف ليلقي على السامعين خطابا يخلو من اول كلمة الى آخر كلمة رغم طوله، من اي اشارة استفزاز مباشرة الى امريكا. احدث مشهد هو الاجتماع «الاستثنائي» لوزراء الخارجية لدول المؤتمر الاسلامي» الذي دعي له خصيصا للنظر في «الوضع الفلسطيني الخطير» واختتم اعماله في الدوحة قبل بضعة ايام. وداخل المشهد الاكبر كان هناك مشهد اصغر هو في الحقيقة معركة. فقد احتد الجدل حول صيغة البيان الختامي: هل يتضمن ادانة مجرد ادانة وليس اعلان حرب ضد الولايات المتحدة ام لا يتضمن. وبالطبع كان الانتصار من نصيب فريق الاغلبية الساحقة التي تبشر بحكمة عدم استفزاز امريكا. لكن هذه النتيجة السالبة كانت حتمية بمجرد ان فرغ السيد ياسر عرفات الذي حضر بنفسه للتأكيد على استثنائية الاجتماع من تلاوة خطابه الافتتاحي. فبالرغم من ان النغمة العامة للخطاب كانت ذات طابع حماسي واستنفاري الا انه تفادى اي ذكر مباشر للولايات المتحدة. لقد حفل الخطاب باستشهادات قرآنية تنطوي على معاني الجهاد المقدس والوعود الالهية بالنصر للمؤمنين المرابطين الصابرين والمحن التي يعايشها الشعب الفلسطيني المقاتل من حصار وتجويع دون ان تتحرك الاسرة الدولية. وهنا يطرح عرفات سؤالا: «لماذا هذا العجز المطلق في مجلس الامن امام هذه الحرب العدوانية التي تشنها حكومة اسرائيل ضد شعبنا؟». ثم يمضي في سياق هذا التساؤل قائلا: «ومن يفرض هذا الصمت المطبق على مجلس الامن الدولي؟ وهل هي ازدواجية المعايير والانحياز المطلق للعدوان والمعتدين؟». والاجابات لهذه الاسئلة معروفة بالطبع «فالعجز المطلق في مجلس الامن» سببه الفيتو الامريكي الذي استخدمته واشنطن ولا تزال على استعداد لتكرار استخدامه لاحباط اي تحرك لمجلس الامن في اتجاه ارسال قوة دولية الى الاراضي المحتلة لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان الاسرائيلي. وبسبب الدعم الامريكي العلني للحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين نعرف «من يفرض هذا الصمت المطبق على مجلس الامن»، وبالتالي يشل حركته ونفهم «ازدواجية المعايير والانحياز المطلق للعدوان والمعتدين».. فواشنطن تبشر بمباديء حقوق الانسان وتهدد بمعاقبة من يخرقها من الدول والجماعات لكنها لا تطبق هذا التهديد على اسرائيل. اجل هذه هي الاجابات المعلومة. لكن عرفات اذا طرح التساؤلات فإنه تعمد ان يتركها معلقة في الهواء لان الاجابة الموضوعية عليها تضطره الى تسمية الولايات المتحدة باسمها. وفي مكان آخر من الخطاب يستهل عرفات احدى جمله بعبارة «بصراحة اقول..» لكن ما ورد بعد ذلك مباشرة كان ابعد ما يكون عن الصراحة.. فقد اعلن ان الاسرائيليين «يلقون الحماية الكاملة» من قبل «القوى المسيطرة في المجتمع الدولي». ولو كان ينشد الصراحة حقا لقال ان الطرف الذي يوفر الحماية الكاملة لاسرائيل هو الولايات المتحدة. وبالطبع خرج البيان الختامي للاجتماع الوزاري للمؤتمر الاسلامي دون ان يشتمل على اية ادانة للولايات المتحدة اقتداء لما سبقه من اجتماع مماثل لوزراء الجامعة العربية وكأن لسان حال الوزراء في كلتا الحالتين يقول: هكذا يريد عرفات الامر. ومع ذلك فإن مما يبعث على الارتياح هو ان الشعب الفلسطيني البطل المنهمك في مساجلة يومية ضد آلة الحرب الاسرائيلية لا يعلق اصلا آمالا جادة على مثل هذه الاجتماعات، وبالتالي فإن بياناتها الختامية لا تسبب له صدمة.