هـ..ى أرجفت روحي وشعللت كينونتي هي، هي، هي. طلتها، اقبالها، قسماتها، ايماءاتها، ابداؤها، اصغاؤها، سريانها الصامت في الحضرة، دهشتها المصاحبة لاتساع عينيها وابتسامة صحو. هي. لم تأت بمفردها. بل حبت معها ضوءا وظلالا وطلعات حقبة كاملة ظننت اندثارها عبر ربع قرن، لا.. بل أكثر من خمس وعشرين سنة. رقتها. حنوها على سائر الموجودات، عليّ، هسيسها اللامرئي، قدومها من حواف الكون، بديعة تسعى، كل ما انقضى كأنه لم يكن، هي كما وفدت على مسائي أمام مدخل المسرح القومي قرب الميدان العتيق. لم أستدع ظهورها أول مرة الا ويخفق قلبي خفقة تخصها وحدها. دفقة دم لها ايقاع خاص لم أعهده في سائر خفقاتي، صورتها، صداها، سماع اسمها، أي أمر ولو واه يتعلق بها يستثير تلك الخفقة التي أتمناها وانتظرها راجيا. مساء، مطلع أمسية، ترتدي سترة من جلد شمواه بني. بطانته حريرية لامعة، تبدو اذا ماأزاحت طرفه، تنورة صوفية، منقوشة بمربعات صغيرة، رجوتها فيما بعد ألا تفرط فيهما، ألا تلقى بهما اذ ماأدركها البلى، أن تلقاني، فيما تلا ذلك والحق كافة من تعلقت بهن، أن يمتد أفق محبتي الى سائر مايتصل بهن، حتى أني اذا رأيت خريطة عليها موضع مدينة تقيم فيها من أهوى، أميل لأقبل الورق، والتفصيل هنا يطول، أقول ان ظهورها خلعنى عني، حتى أنني تدفقت بعبارات ترحيب شتى، وطفرت اندفاعات ظننت انها خبت، انتبهت فكبحت، ذلك أن بعض الفروق حاشتني. لحظة الرؤية القديمة، البعيدة، انصع مايضيء تراثي، تمت الى شتاء من تلك الشتاءات الخمسين التي مرت بي غيومها وأمطارها وغيومها ورياحها الهبوب ونهاراتها القصيرة وعصاريها الباعثة على الحنين والتوق، كذا زخات المطر الليلي المقضة للمضاجع، المثيرة للدهشة والراحة اذا كان البيت دافئا والنوافذ محكمة والوقت موات. لحظة الرؤية الآنية صيفا، في مكتبي، المطل على الأفق القاهري من طابق مرتفع يجعلني بمنأى، ظهر أمس اتصلت بي، لم أصغ في صوتها الى ماينبئ. لم يشر الى انها هي، بل قالت انها محررة تحت التمرين بالاذاعة الناطقة بالفرنسية، وانها تسعى الى لقاء معي للحديث عن زمن الحرب القديم التي عشت أوارها وأشهدت أيامها، تطلعت الى ماينتظرني من مواعيد، حددت هذا الوقت الذي لم أعرف قط أن قدري سيطل عبره، وأن أزهى أيامي ستلوح منه، لو أعلم لفارقت مقري، لقطعت المسافة الفاصلة صوبها، لكنني جاهل، والجهل يكون أحيانا مرسخا للسكينة، مطمئنا لخفاء مايمكن لجلاء أمره أن يقلقل الحضرة. عندما استقرت في مكانها وجاء الساعي بكوب الليمون خفيف السكر، قالت انها ابنة صاحب عزيز. تطلعت دهشا، ما أعرفه، مارسخ عندي أن والدها محام قبطي شهير، ابن باشا من الصعيد لعب دورا في الحياة العامة، وكان مسموع الكلمة مثيرا للجدل، يذكره الوطنيون بتحفظ، غير أن ذلك لم يؤثر في، بل رحت أجد بعض الأعذار لمواقف تناقلها البعض عنه معتبرا أن خروجها من صلبه فيه صفح جميل. تقول إن والدها من كفر الشيخ، طبيب، من مدينة دسوق. أنني أمضيت معه ستة شهور في المعتقل السياسي عام ستة وستين. نعم.. نعم، وكيف أنساه، ماثل هو بصلابته وأصالته وصبره على المكاره، تتوهج ذاكرتي، تنفض عنها ركودها، أرحل صوبها بنظري، يتدفق اليها بصري. كيف تنسب نفسها الى صاحبي هذا؟ اتساءل لعلي منبها لها. متى ميلادك إذن؟ تلك ابتسامتها، ودهشتها المصحوبة بتساؤلات حاوية لاجابات شافية، صفاء افتقدته سنوات ، لطالما بحثت عنه فلم أره ولم أجد. تقول انها من مواليد سنة اثنتين وسبعين، أى قبل الحرب بعام واحد، أومأت، لا تعرف انها كانت في الولايات المتحدة وقتئذ، في الشاطئ الغربي المطل على المحيط الهادي، تنهي اعداد رسالتها العلمية، تبدأ حياتها مع صاحب أضمرت له عاطفة، لم يكن تعلقي وعشقي الا امعانا صوب اليأس، وان قابلتني بحنو وتفهم وبعض ميل. هل ترفض أنثى محبا، متفانياً، لا يطلب مقابلا لما يبذله ويبديه. لم لا؟ هكذا قال صاحب قريب ـ رحمه الله ـ مستنكرا ولائما. كأنها لا تعرف شيئا عن هذا كله. فلأصبر، فلأستوعب متمهلا، اذن.. هي الآن في الثالثة والعشرين، بالضبط كما عرفتها أول مرة، فكأن تلك السنوات عرفت طريقها الى خطوتي، وضلت السبيل اليها فبقيت كما.. هي. هي في مواجهتي، في مجالي، وديعة، رغم هشاشتها تعيدني إلى عناصري الأولى، تحولني الى مصدر للعطف على من أجهلهم. والتوق المشع الى سفر لا أعرف نهايته. تساءلت عن المواقيت المحددة لانتهائها من استطلاع آراء الآخرين. قالت انها في حاجة الى أسبوع. هنا اتخذت الوضع عينه الذي واجهتها به قبل مرور تلك الأعوام كلها، تخليت عن ترددي القديم، قلت انني أدعوها الى المكان الذي أتصالح فيه مع نفسي، أمضى اليه بمفردي أو بصحبة من أعز ويصفو لهم ودي. هي.. بدهشتها الاولى، بانفراجة شفتيها، هي بهما، رقتها. حمرتها المزمومة القانية الياقوتية، تلك الدرجة النادرة التي يتردد صداها وتلألؤها عبر فضاءات قصية، تعيد خلق الضوء، أخبرني صاحبي خبير الأحجار الكريمة والمجوهرات النادرة خاصة اليواقيت، هي.. المصاغة من أصداء ذلك البريق أن هذا التضوي هو الأندر والأعسر، معروف عند أصحاب الشأن بشطف النار، درجة الياقوت لا تبلى ولا يمكن للغبار أن يعلق بها، لا يطالها النسيان. قلت انني أدعوها الى مقهاي بالقاهرة القديمة. نطقت الألفاظ بالايقاع ذاته الذي أصغت اليه من قبل، بل اصغيت على ملامحي عين التعبير، في المرة الأولى كنت مرتبكا بعض الشيء، يخفق قلبي مع كل عبارة ويتعثر مع كل لفظ، الآن.. أقصد هدفي مباشرة بدون عذوبة، أما القلب فمتمهل، غير راكض. هي.. أمامي. تصغى باخضرارها. (بجد؟). تمهمز سكوني، هذا النطق الذي افتقدته زمنا ليس قصيرا، لكم حاولت استعادته بتقليده عن اصغائي إلى الآخرين، لكم صمت. (بجد؟) ولا يعرف من حدثوني، أو أطالوا النظر الى أنني كنت انطق بلسانها، محاولا اقتفاء نطقها وروحها. بعد أن تناءينا كنت أنفرد في اقامتي أو ترحالي، عند اغماضي أو تحديقي باتجاه الأفق أو الغمام، واستدعيها، انطلق بها، مرة اسأل ومرة أجيب عنها مرددا ألفاظها الأثيرة، مبديا لومها أو استفسارها. أو ما أتقنه حتى صار لحمة في سداى.. دهشتها. قالت إن والدها حدثها عن هيامي بالمساجد والزوايا والأسبلة والحواري، قالت انها ستطلعه على تلك الجولة. كأني لم أصغ، لا تعرف أنني لم أصحب أباها الى الجمالية قط، وأن لقائي به جرى ثلاث مرات. مرة ذات يوم حار من أصيافي الخمسين، نهار مقترن بحديقة البيت الفسيحة، المعتنى بها قرب الأهرام، كانت هي الداعية لى ولصاحب وصاحبة سافرا واستقر كل منهما بعيدا.. كيف تنسى؟ الثانية ذات خريف، شجعني السريان، بمكتبة، الطابق الأول من عمارة شيدت نهاية القرن الماضي، بدأنا فيها أول دروس اللغة الفرنسية، هي اقترحت علي لكن.. لم يتم ذلك. المرة الثانية لم أصافحه ولم تلتق عيناي بعينيه الضيقتين، الطيبتين، الموغلتين في الصعيد، كانتا مسبلتين الى الأبد، مسبحى داخل صندوق ثمين وسط كنيسة قبطية قرب النيل في الزمالك. هي لا تعرف هذا كله، تنطلق بغيره، تتحدث عن والد عرفته في المعتقل، يقيم في كفر الشيخ، متابع، دؤوب لما يجرى، لما يكتب، وينشر، منذ سنوات لم أره. قبل الموعد وصلت المقهى، صافحت معارفي من عماله وزبائنه. خاصة الشيخ الازهري الضرير، والحاج سيد الخليلي صانع السبح الكهرمان النادرة واشهر تجارها بخان الخليلي. هذا مكاني. موضعي، هنا أجلس في مواجهتي، مرآة ضخمة لابد انها استقرت زمنا بقصر قديم، دائما أجيء قبلها حتى أكون في استقبالها، تفد علي ولا أقبل عليها، أن منتظرها الدائم، هنا أفضيت، وقعت المكاشفة، أيام ثلاثة من رهبة ومحاولة لاختيار كلماتي الأولى، تقليب الخيارات المطروحة حتى انتهى أمري الى الانطلاق على سجيتي، ونسيان ماأعددت، اصغت يومئذ باهتمام، بسرور، لمست يدي، قالت انها تعتبرني أقرب الخلق اليها لكن. رفعت يدي أناشدها الكف فلم أسع الا بهدف البوح، لا أتوقع منها ردا، كل ما أتمناه الاصغاء الي بصدر رحب، وصبر متين. هنا، هذا المكان عينه، قلت بتأثر انني لا أطلب الا تفهم أمري. كنت راغبا في البوح، كفؤا للتضحية وتحمل العواقب. أنفث دخان النرجيلة، أبدا.. لست نادما، ها هو الوقت يبلغ نقطته الأولى،اراها مرة أخرى، غير أن هشاشتها أججت مخيلتي. لقاء المقهي يجب ألا يتكرر، يكفي مرة أو مرتين. هي.. ظهورها المفاجئ، اللامتوقع، انضباطها الذي جعلني استفسر منها مرة عن كيفية وصولها الدقيق رغم زحام المدينة وصعوبات الطريق. أقف حتى يتم استقرارها، تواجهني نضرة، مقبلة، قالت انها تاقت إلى المكان، لكنها غريبة في العاصمة، استفسرت عن اقامتها عند عمتها، عن عملها، عن تجوالها، عن آمالها في السفر، عن السينما التي تفضلها، أحدق اليها، الى وجهها الخالي تماما من المساحيق، زمان.. قالت انها تفضل الحالة الطبيعية، ان تلك الألوان تحيل الأنثى الى شئ مزيف، هي.. لم تتغير، تقريبا نفس العبارات، غير انها بدت قلقة رغم ابتهاجها وتطلعها الى الثريا والمصابيح العتيقة المعلقة، الصور داخل الاطارات، استفسارها عن شخصيات بعينها، عن الفروق بين الشاي الأخضر والشاي الأحمر، بين دخان النرجيلة ودخان السجائر، يحتفظ والدها بنرجيلة في البيت، قالت انه يعد الدخان بنفسه، بعد لحيظات قالت انه سلك طريق الصوفية، قلت: (محطة هادئة لمناضل قديم وعر..). قالت: (انه يهديك تحياته.. حدثته عن لقائنا أول أمس..) على مهل توجهت الى عينيها، أبدأ التلقي (أحدثت عندي هزة..). (أنا..) قلت: إنني لم أصدق عيني عندما رأيتها، ظننت ظهورها حلما، لكن بعد الحديث والاصغاء والتلقي لم يكن الأمر بحاجة، ها هي حقيقتها تظهر في أفق أيامي من جديد. لحظات بوحي لا يغيب عني عن رؤية اصداء قولي، خاصة في مثل هذا الظرف، بدت ملامحها وكأنها تجمدت فجأة، ساعة كفت عن الدوران لحظة، تستأنف لكن في الاتجاه المغاير. تتسع عيناها، خوفها باد، بلا خشية، لا.. فزع، تنكمش، تتداخل، أميل مدققا، حائرا، خجلا، متسائلا..