بينما لم تهدأ هذه المعارضة الدولية لمشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي NMD، فاجأت الولايات المتحدة العالم بمشروع استفزازي آخر يستهدف إحكام أعمال التجسس على جميع دول العالم، من خلال شبكة جديدة من الأقمار الصناعية الصغيرة تقوم بعمليات التنصت والتصوير الفضائي المتزامنة على جميع دول العالم، أطلق عليه (هندسة صورة المستقبل FIA ) Future Imagery Architecture. وقد كشفت صحيفة «التايمز» البريطانية في مقال للكاتب (بن ماكنتر) بتاريخ 19/2/2001 عن بعض جوانب هذا المشروع نقلا عن صحيفة (لوس انجيلوس تايمز) الأمريكية، والتي أفادت أن الآلاف من العلماء الأمريكيين يعملون منذ بداية هذا العام بهدوء وسرية في بناء شبكة جديدة مترامية الأطراف من أقمار تجسس صناعية تمكن الولايات المتحدة من مراقبة كل أركان الكرة الأرضية بدقة بالغة على مدار اليوم، والذي يعد أكبر مشروع تجسس مخابراتي في تاريخ العالم الحديث على حد قول «لوس أنجيلوس تايمز» وهو ما أكده متحدث باسم (اتحاد العلماء الأمريكيين) الذي أفاد أن هذا المشروع سيكون أكثر المشاريع تكلفة في تاريخ المجتمع المخابراتي، حيث سيعمل فيه حوالي خمسة آلاف عالم ومبرمج كمبيوتر خلال الأعوام الخمسة المقبلة، وذلك أثناء مراحل التصميم الأولى، كما سيكون هناك احتياج لآلاف آخرين لبناء وتشغيل الأنظمة المختلفة والعديدة الداخلية في نطاق هذا المشروع، يقدر عددهم بحوالي عشرين ألف شخص من خلال مجموعة من الشركات العاملة في مجال تكنولوجيا الفضاء مهمتها الرئيسية بناء جيل جديد من أقمار التجسس على مدار العشرين عاما المقبلة. وتقدر اجمالي تكلفة مشروع FIA حوالي خمسة وعشرين مليار دولار شخص من خلال الخمس سنوات المقبلة لتثبيت أقدام هذا المشروع الضخم على مستوى حرب المعلومات.. وهو حجم من الانفاق يتجاوز ما أنفقته الولايات المتحدة الأمريكية على مشروع مانهاتن لبناء أول قنبلة ذرية، والذي بدأ في عام 1942 وتبلغ تكلفته بأسعار اليوم عشرين مليار دولار. كما يتجاوز حجم الانفاق على مشروع التجسس الجاري FIA ما خصصته الولايات المتحدة لمشروع مارشال الذي نهض بأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والذي بلغت قيمته عشرين مليار دولار. وقد نبعت الحاجة الى هذا المشروع من شكوى القادة العسكريين الأمريكيين في حرب الخليج الثانية من تأخر وصول المعلومات التي كانت تحصل عليها أقمار التجسس من خلال التصوير لمسرح العمليات، وعدم وضوح هذه الصور وقلة ما تحويه من تفاصيل، وعدم ربط معلومات الصور الفضائية مع المعلومات الأخرى التي كانت تحصل عليها مصادر الاستماع والتنصت التي كانت تقوم بها وسائل الحرب الالكترونية للاستطلاع اللاسلكي.. وغيرها من مصادر أجهزة المخابرات.. هذا بالطبع الى جانب الحاجة السياسية المتمثلة في سعي الولايات المتحدة في اطار النظام الدولي الجديد الذي تتربع على قمته، للتفرد بادارة السياسة العالمية، وحماية مصالحها المنتشرة على الساحة العالمية، وبسط هيمنتها المستمرة على كافة المجالات التقنية والمالية والعسكرية والاقتصادية في العالم، تحقيقا لغاياتها وأهدافها القومية، وتأمينا لمتطلبات أمنها القومي، وهو ما يفرض عليها أن تكون على علم مسبق وموقوت بكل ما يجري وما يتوقع أن يجري من أحداث في الدول المعادية والصديقة لها على السواء، حتى لا تفاجأ ببروز أزمات سياسية وعسكرية وهي غير متحسبة لها مسبقا. لذلك أقرت الحكومة الأمريكية هذا المشروع الضخم لبناء شبكة الأقمار الصناعية التجسسية لتغطي جميع أجزاء الكرة الأرضية بدقة متناهية، وتسمح بالتالي لوكالات وأجهزة المخابرات الأمريكية المختلفة بالتجسس من خلال التصوير والتنصت على أي بلد في العالم. ويشرف على هذا المشروع «مكتب الأبحاث الوطني NRO» (National Research Office) مع (وكالة الأمن الوطني NSA) ويعتبر مكتب الأبحاث الوطني أحد أجهزة المخابرات الأمريكية التي تحظى بالسرية البالغة والتمويل الجيد، وقد أصدر هذا المكتب بيانا مقتضبا ذكر فيه أن شركة بوينج فازت بعقد تشغيل واطلاق الجيل القادم من أقمار التجسس. وتقدر ميزانية هذا المكتب الذي تم انشاؤه عام 1960 بحوالي 6 مليار دولار سنويا، وتتجاوز مصروفاته ما تنفقه وكالة المخابرات المركزية CIA أو وكالة الأمن الوطني. فكرة المشروع تنهض فكرة مشروع FIA للتجسس على أساس الربط اللحظي بين المعلومات التي تحصل عليها وسائل التجسس السمعي مع المعلومات التي تحصل عليها وسائل التجسس البصري في وقت واحد، وذلك في عملية تجسس متكاملة تحقق متابعة الهدف - الأهداف المطلوب التجسس عليها (على الهواء) مباشرة، وبما يشبه «البث المباشر» ولكن بشكل عكسي عبر نظامين متكاملين يعتمدان على مجموعة ضخمة من الأقمار الصناعية المنتشرة في الفضاء. بمعنى أنه في حالة التقاط أجهزة التنصت السمعية لحادثة مثيرة أو محادثة يدخل في موضوعها بعض الكلمات الواردة في لائحة الكمبيوتر المبرمجة لمتابعتها، فإنه يتم في آن واحد متابعتها بواسطة أجهزة التجسس السمعي، وتوجيه أقمار التجسس المخصصة للتصوير نحو مصدر المحادثة - الحادثة مباشرة، والتقاط صور المكان ورواده والمحيطين به، مع الاستمرار في متابعة الحدث (الهدف) بالصوت والصورة حتى تنتهي الأزمة. هذا خلاف ما كان يجري في السابق، حيث كانت أقمار التجسس المخصصة للتنصت السمعي تلتقط المحادثة، وتكتفي بارسالها الى الجهة التي تقوم بتحليلها وتقدير أهميتها، وطبقا لرؤية القائم على التحليل وقراره يجري استثمار هذه المعلومات بتخصيص وسائل رصد بصري (أقمار تجسس بالتصوير) لمتابعة الهدف أو عدم استثمارها. وحتى في حالة استثمارها فإن الفاصل الزمني بين التقاط المحادثة بواسطة أجهزة التنصت (السمعية) وتوجيه أقمار الرصد (البصرية) نحو الهدف لتصويره، سيترتب عليه حدوث تغير في الموقف مما يؤثر بالسلب في القرار المتخذ بشأن الموقف الناشب. أما في المشروع التجسسي الجديد FIA فإن الحصول على صورة الهدف ومتابعته تتم بشكل تلقائي وشمولي فور التقاط الكمبيوتر إحدى الكلمات الحساسة المبرمجة مسبقا، وعندما يظهر الهدف والمكان المحيط به بأشخاصه مع المحادثة التي تم التقاطها أمام المحللين يكون الموقف مهيأ تماما لاجراء تقدير موقف سليم بالنظر لتوافر جميع المعلومات التفصيلية عن الهدف والظروف المحيطة به، وبما يساعد في اتخاذ قرار سياسي- عسكري رشيد. ويسمح هذا المشروع لأجهزة المخابرات الأمريكية بتتبع ما يجري من محادثات سرية أو غير سرية تقوم بها القيادات السياسية والعسكرية في الدول المعادية والصديقة على السواء، سواء أجريت هذه المحادثات بواسطة هواتف ثابتة أو نقالة أو بواسطة أجهزة لاسلكية عسكرية أو مدنية في أي مكان من العالم، مع امكانية تصوير القائمين بهذه المحادثات في أماكن اجرائها لحظيا. ولتحقيق هذا المسح الشامل للأرض سيتم اطلاق 24 قمرا صناعيا جديدا في الخمس سنوات المقبلة على شكل شبكة تطوق الكرة الأرضية وتسمح بتغطيتها سمعيا وبصريا بشكل كامل. وتفيد مصادر وكالة كاليفورنيا للتكنولوجيا والتجارة أن الأقمار الصناعية الجديدة ستكون أصغر حجما بنحو الثلثين عن الأقمار الحالية الدائرة في مداراتها ويبلغ وزن الواحد منها (15-20طنا) وستتخذ أوضاعا أبعد في الفضاء مما يصعب مهمة رصدها بواسطة الأجهزة المعادية وستعمل بواسطة الأشعة البصرية المباشرة، أو الأشعة دون الحمراء في أحوال الطقس الرديئة، أو بواسطة الموجات الكهربائية والرادار لتكوين صورة تفصيلية دقيقة تصل الى حوالي 15سم. ناهيك عن أن وجود الأقمار الصناعية الجديدة في مدارات بعيدة سيسمح لها بتصوير الأهداف لمدة أطول ولمساحة أوسع تقدر بضعف ما تقوم به أقمار التجسس الحالية، وارسال صور واضحة للأنشطة التي تجري على الأرض بسرعة تفوق السرعة الحالية بعشرين ضعفا. ويرجع ذلك الى تزويد الأقمار الجديد بتلسكوبات قوية للغاية، وأجهزة رادار غاية في الحساسية حتى تكون قادرة على التقاط صور لأي مكان في العالم نهارا وليلا وفي أحوال الرؤية الجوية السيئة، وارسال آلاف الصور للهدف - الأهداف المطلوبة في التوقيت المحدد. وتشير المعلومات الى دخول ستة أقمار تجسس في مداراتها أخيرا، ولكن سيتم استبدالها بأقمار تجسسية أخرى أصغر منها وأكثر قوة ومتعددة الاستخداما ت بحلول عام 2005 وهو موعد بدء تنفيذ المشروع. وستقوم شركة (بوينج) المتواجدة في منطقة (السيجندو) بولاية كاليفورنيا بمعظم أبحاث وأعمال تطوير هذا الجيل الجديد من أقمار التجسس، وقد بدأت بالفعل في استقدام فنيين لهذا الغرض من شركة لوكهيد مارتن، وهي التي قامت بتصنيع أعداد كثيرة من أقمار التجسس الحالية، بالاضافة لشركات أخرى تعمل في مجال تكنولوجيا الفضاء والانترنت وأعمال التنصت الهاتفية واللاسلكية بأنواعها. مغزى السرية وسيدير هذا النظام الجديد بعد اكتماله جهاز يضم ممثلين عن كل من «وكالة الأمن الوطني» والتي ستهتم بأعمال التجسس السمعي (التنصت) وتقوم بالتقاط المحادثات الهامة في جميع أنحاء العالم وتحليلها وتقديم التقارير بشأنها الى وكالة المخابرات المركزية والوزارات والأجهزة المعنية الأخرى. ويعمل بها أكثر من 6000 متخصص في جميع اللغات، ويطلق عليها البعض (آذان واشنطن)، كذلك يضم النظام الجديد ممثلين عن (مكتب الأبحاث الوطني) المعني بمهام التصوير بواسطة أقمار التجسس ويطلق عليه البعض «عيون واشنطن». ويختلف مشروع FIA المستقبلي هذا عن المشروع التجسسي الجاري حاليا تحت اسم «إيشلون» والذي تشارك فيه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا ونيوزيلندا، بهدف التجسس على أجهزة المخابرات في الدول الأخرى بواسطة عدد من أقمار التجسس الأمريكية التي تدور حاليا حول الأرض، والذي أثار الكشف عنه الدول الصديقة للولايات المتحدة في أوروبا واليابان قبل الدول المعادية. ذلك أن المشروع الجديد يعتبر أمريكيا بحتا لا تشارك فيه أي دولة أخرى، وإن كان من المتوقع أن يستفيد من الامكانات المتاحة حاليا لمشروع «إيشلون». ومما لاشك فيه أن المعلومات التي تم الكشف عنها حول هذا المشروع تعتبر ضئيلة جدا، بالنظر لما يجري فعلا من اعداد له، وامكاناته الحقيقية وأهدافه النهائية، وذلك لما يحظى به من سرية تامة لدرجة أن معظم العاملين فيه لا يعلمون حقيقة الغرض النهائي لما يقومون به من أعمال منفصلة عن بعضها، طبقا لما ذكره (لورين توميسون) محلل شئون الدفاع في معهد ليكسنجتاون وحيث يتجاوز هذا المشروع في أهميته مشروع الدفاع الصاروخي NMD الذي يستأثر باهتمام وسائل الاعلام العالمية. أما في الدول الأوروبية التي تتابع هذا المشروع بقلق بالغ فقد فسر أحد المسئولين في فرنسا ذلك بقوله: (إن غياب التصريحات حول هذا المشروع يرجع الى أسباب كثيرة، في طليعتها أهمية هذه الشبكة التجسسية مستقبلا في اعتراض جميع المخابرات والمكالمات والاشارات اللاسلكية على كافة الموجات بما فيها الموجات القصيرة جدا. هذا الى جانب رغبة الولايات المتحدة في عدم اثارة هذا الموضوع في الوقت الذي تثار فيه الاعتراضات حول مشروع الدفاع الصاروخي، ولا تريد واشنطن مزيدا من الاعتراض أو الربط بين المشروعين بالرغم من أنهما يحققان هدفا واحدا هو: تكبيل الكرة الأرضية من كافة الجوانب العسكرية بواسطة شبكة الصواريخ المضادة للصواريخ، والجوانب المعلوماتية بواسطة الشبكة التجسسية الجديدة، خاصة وأن قوة المعلومات أصبحت في هذا العصر الرديف الأقوى للقوة العسكرية، وبحيث صارت القوتان مكملتان لبعضهما البعض. ـ خبير استراتيجي مصري