ما يجري في الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى يومنا هذا يشير الى مجموعة من الأمور لابد من فهمها إذا أردنا أن نقرأ القضية الفلسطينية قراءة موضوعية. إذ أنه ومنذ اندلاع هذه الانتفاضة والشعب الفلسطيني بمختلف شرائحه السياسية وتنظيماته الفدائية وعلى رأسها قيادته السياسية المتمثلة في السلطة الوطنية الفلسطينية يخوض حرباً حقيقية مع الآلة العسكرية الإسرائيلية الكبيرة. في ظل معادلة قوى غير متكافئة من الناحية العسكرية حيث لا يمكن المقارنة بين ما يملكه الفلسطينيون من أسلحة فردية وبعض الأنواع الأخرى مع ترسانة الكيان الصهيوني المعدة أصلاً لمواجهة الأمة العربية بكاملها وتعد هذه الحقيقة من أولى الحقائق القائمة في الأراضي الفلسطينية حالياً وأبرزها. أما الحقيقة الثانية فهي أن الشعب الفلسطيني يواجه عدوه التاريخي وجهاً لوجه وبمفرده وبإمكاناته المتواضعة وهو أمر مؤسف جداً إذا علمنا أن الصراع في المنطقة هو صراع شامل بين الحركة الصهيونية وشعوب المنطقة كلها وان الخطر الصهيوني لا يستهدف الشعب الفلسطيني وحده، إذ أن العدو الصهيوني لا يفرق ولم يفرق في الماضي ولن يفرق في المستقبل بين عربي وآخر في مخططاته العدوانية. وهذا الواقع الحالي في فلسطين يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى جدية الخطاب الاعلامي الرسمي العربي وما يطرحه المسئولون العرب عن قومية المعركة. وصمود الشعارات المتفرعة عن هذا المصطلح في هذا الوقت الذي يذبح فيه الشعب الفلسطيني الأعزل أمام سمع وبصر العالم الذي أعمته الدعاية الصهيونية وشلت قدراته الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الأول للكيان العنصري الصهيوني. وتظهر الحقيقة الثالثة من خلال ما تشهده الأراضي الفلسطينية ايضاً وهذه الحقيقة هي استحالة التعايش مع الكيان الصهيوني طالماً حافظ هذا الكيان على هويته العنصرية الصهيونية وان الدعوات التي ترددت في الآونة الأخيرة حول امكانية استيعاب الكيان الصهيوني والتي وصلت الى حد مطالبة البعض بإدخال الكيان الصهيوني الى الجامعة العربية لا تدل إلا عن شلل فكري تام وجهل لا يفوقه جهل في طبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه في المنطقة. أما الحقيقة الرابعة التي كشفتها أحداث الساحة الفلسطينية فهي أن أية تسوية سياسية مع الكيان الصهيوني مهما كان نوعها ستكون كارثية النتائج ما لم تستند الى قوة عربية فاعلة تستطيع ضبط نتائجها وتنفيذها وهذه الحقيقة المهمة تقود الى الاعتراف بفشل الشعار الذي رفعه العرب مؤخراً بأن السلام هو خيارهم الاستراتيجي الوحيد، إذ كيف يمكن للسلام ان يعيش مع الارهاب والجرائم الصهيونية؟ وكيف لهذا السلام ان يستمر إذا ما تنكرت له «إسرائيل» ورفضت تنفيذ استحقاقاته ونحن لا نملك أو لا نريد أن نملك أي خيار آخر؟ هذه الحقائق وغيرها من الحقائق التي يكشفها الواقع الفلسطيني الحالي تقودنا بطبيعة الحال اذا رغبنا في الاستفادة منه الى قراءة الحركة الصهيونية بشكل واع وإجراء مراجعة لابد منها لكل المواقف والطروحات التي نادى أصحابها بتسوية سياسية مع الكيان الصهيوني وعندما نجري هذه المراجعة فإن ذلك لا يعني اننا ضد مبدأ السلام لأن الحرب لا يمكن أن تكون هدفاً بحد ذاتها، وانما للبحث عن سلام فعلي قابل للاستمرار وليس استسلاماً مذلاً للحركة الصهيونية وشروطها. السلام الإسرائيلي ولكي نصل الى النتيجة المرجوة في هذا الشأن لابد لنا من شرح معنى السلام الذي يريده الصهاينة فما هو هذا السلام الإسرائيلي وما هي شروطه؟ منذ نشأة الكيان الصهيوني وحتى يومنا هذا يتشدق الصهاينة عن السلام ورغبتهم فيه مصورين العرب بأنهم أمة متوحشة غير حضارية تريد تدمير «إسرائيل» هذه الدولة المسالمة! أو دولة الذين نجوا من المذابح النازية كما كان يصورها الإعلام الصهيوني!! واستطاع الصهاينة بالفعل ان يقنعوا قسماً كبيراً من الرأي العام العالمي بهذه الأكاذيب الى أن جاء عدوان الخامس من يونيو عام 1967 الذي اظهر الكيان الصهيوني على حقيقته كقاعدة عسكرية متقدمة للقوى الاستعمارية الامبريالية وليست دولة مسالمة صغيرة ديمقراطية وسط بحر من التخلف والتوحش العربي كما ادعى الصهاينة. وباحتلال ما تبقى من فلسطين بالإضافة الى أراض عربية أخرى واجهت الحركة الصهيونية رغم الانتصار العسكري الساحق الذي حققته على العرب مجموعة من المشكلات أولها انكشاف حقيقتها على العالم بالاضافة الى مشكلات واجهتها على الأرض أولها وقوع ما تبقى من الشعب الفلسطيني المقيم في الضفة الغربية وغزة تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر واتساع رقعة الاراضي المحتلة الأمر الذي أوجد تحديات جغرافية وديمغرافية جديدة تنبه لها الصهاينة منذ اللحظات الأولى لانتصارهم الذي حمل معه أيضاً بذور مأزق حقيقي تمثل في صعوبة استيعاب الكم الهائل من الفلسطينيين الذين رزحوا تحت الاحتلال. ناهيك عن رفض العرب في ذلك الوقت القبول نتائج هزيمة عام 1967 وتنامي الشعور الوطني وظهور الكفاح المسلح الفلسطيني كرد طبيعي على الهزيمة وما لا قاه هذا الكفاح من تأييد شعبي عربي. ولا سيما بعد معركة الكرامة عام 1968. وبعد عام 1973 ومع انتهاء حرب أكتوبر التي شرعت الأبواب أمام طروحات التسوية السياسية واجه الكيان الصهيوني معضلة حقيقية تتمثل في كيفية التعامل مع عملية التسوية ومؤتمر جنيف للسلام الذي أعقب الحرب. وكان التوجه الصهيوني منذ البداية قائم على مبدأ استفراد العرب في عملية التسوية تماماً كما حاول الصهاينة استفراد الأقطار العربية في ساحات القتال وبمساعدة أمريكية وبسبب غياب تصور قومي عربي لهذه التسوية كما هو الحال بالنسبة لغياب التصور العربي. استطاعت الدولة العبرية ان تجزيء عملية التسوية الى تسويات مع الدول العربية كانت أولى ثمارها بالنسبة للعدو اخراج مصر من ساحة الصراع العربي الإسرائيلي بتوقيع معاهدة كامب ديفيد وإبرام صلح مع أكبر دولة عربية. ونلاحظ هنا انه لم تمض بضع سنوات حتى اجتاحت قوات العدو الصهيوني لبنان في عام 1982 وكأنما تقول للعالم ان السلام مع مصر لا يعني انتهاء شهوة الحرب والعدوان الإسرائيلية. وبتجاوز الهدف الإسرائيلي للغزو وهو محاولة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية اثبت هذا الغزو أن الكيان الصهيوني غير معني بالسلام وأن آخر ما يفكر به هو التخلي عن سياسته العدوانية وان استهداف عاصمة عربية مثل بيروت حالة يمكن أن تتكرر مع عواصم عربية كما حدث عندما قصفت طائراته الحربية العاصمة التونسية بعد ثلاث سنوات فقط من الغزو الإسرائيلي للبنان ومع انطلاقة مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 نلاحظ أن السياسة الإسرائيلية المراوغة ومحاولات «إسرائيل» الاستفراد بالوفود العربية كل على حدة كانت الجانب الأوضح في سياسة الكيان الإسرائيلي. وان هذا الكيان دخل عملية التسوية ليس رغبة منه بالسلام وانما للعبور من خلال عملية التسوية الى العمق العربي. وفرض الارادة الإسرائيلية على العرب الذين ذهبوا الى التسوية في ظروف يعرفها الجميع وغير مناسبة لتحقيق التوازن المطلوب لأية تسوية سلمية عادلة. وإذا توقعنا مرة أخرى عند ما يجري في الأراضي الفلسطينية من مجازر يومية ترتكبها حكومة العدو الصهيوني برئاسة الارهابي المحترف ارييل شارون صاحب السجل الأقبح في تاريخ المجازر بحق الشعب الفلسطيني نرى بوضوح كيف ان مزاعم الصهاينة حول رغبتهم في السلام مع الشعب الفلسطيني أو ما يطلق عليه بعض الصهاينة بجيران «إسرائيل» الفلسطينيين ليست سوى مزاعم كاذبة تهدف فقط الى ذر الرماد في عيون العالم خاصة وانه رغم مضي أكثر من سبع سنوات على اتفاقيات أوسلو التي اعترفت منظمة التحرير فيها بالكيان الإسرائيلي وقبلت بحل قائم على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام بل وقبلت بأقل مما حدده قرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة بكثير والمعروف بقرار التقسيم، رغم هذا فإن العدو لم ينفذ الا الجزء اليسير من هذه الاتفاقيات التي لا يسعى الارهابي ارييل شارون الى إلغائها بالكامل وانهاء عملية التسوية على المسار الفلسطيني بالكامل فحسب وانما الى توسيع دائرة الصراع والتهديد بنقل المعركة الجارية بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال الى الدول العربية المحيطة بفلسطين ولا سيما سوريا ولبنان التي لا يكف قادة العدو عن توجيه التهديدات لهما والتي وصلت الى مرحلة التنفيذ الفعلي بقصف مواقع سورية في لبنان. زد على ذلك ان اخفاق ارييل شارون في تحقيق ما وعد به الإسرائيليين بأنه سيوفر لهم الأمن وفشله في القضاء على انتفاضة الشعب الفلسطيني التي تزايدت ضرباتها المؤلمة حتى داخل فلسطين المحتلة عام 1948 والتي كان آخرها العملية الاستشهادية التي وقعت في ناتانيا يوم الجمعة الماضي الثامن عشر من الشهر الجاري سوف يؤدي بالتأكيد الى تصدع الحكومة الإسرائيلية وتزايد الانتقادات لرئيس هذه الحكومة التي ستلاقي الفشل كغيرها من الحكومات السابقة أمام إصرار الشعب الفلسطيني على مواصلة نضاله الوطني وتقديم التضحيات لذلك. وهذا كله سيدفع بالتأكيد حكومة الكيان الإسرائيلي الى محاولة تصدير أزماتها الداخلية الى الخارج للم الشارع الإسرائيلي حولها من جهة وإغراق المنطقة من جديد في فوضى وعدم استقرار يبعد الكيان الصهيوني عن دائرة الضوء ويبعده كذلك عن بعض الضغوط الدولية الهادفة الى اعادة الحياة لعملية التسوية غير المتناسبة مع توجهاته ولا سيما على المسار الفلسطيني الأكثر تعقيداً. إن ما يجحري في الأراضي الفلسطينية حالياً يؤكد بما لا يقبل مجالاً للشك ان العدو الإسرائيلي غير معني بعملية التسوية بقدر ما هو معني بمواصلة جرائمه بحق الشعب الفلسطيني الذي يمثل النقيض الأساسي والأهم للصهاينة. ويستند الكيان الصهيوني في سياسته العدوانية هذه الى الحليف الأمريكي الذي صدق البعض انه راع لعملية التسوية بينما أثبتت الأحداث ان الولايات المتحدة ليست سوى مستودع أسلحة وضع في تصرف الصهاينة لتنفيذ مخططاتهم تحت غطاء أمريكي كامل تدلل عليه مواقف الإدارة الأمريكية المتعاقبة ولا سيما الموقف الأمريكي الأخير تجاه المحاولات الهادفة الى تأمين حماية دولية للشعب الفلسطيني الأعزل. وتعطيل أية ادانة دولية يمكن أن تصدر عن الأمم المتحدة للكيان الصهيوني. ولذلك نستطيع أن نقول إن لجنة المتابعة العربية التي عقدت في القاهرة في التاسع عشر من الشهر الجاري أصابت عندما أوصت بقطع كل الاتصالات السياسية مع الكيان الصهيوني وأصابت أكثر عندما أكدت أن أي طرف عربي يجب ألا يستثنى من ذلك ولكن ما هو مطلوب فعلاً هو ترجمة هذه المواقف الى أعمال وتقديم الدعم والمساندة الكافيين للانتفاضة الفلسطينية والعودة الى اساسيات الصراع العربي الصهيوني وأولها ان الكيان الصهيوني كيان دخيل وغير شرعي ودموي وقائم على الجريمة، معاد للسلام بفطرته وان الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية استعمارية تمثل أبشع الحركات حقداً وعنصرية في التاريخ وان القضاء على الفكر الصهيوني هو المدخل الوحيد اذا ما أريد السلام لهذه المنطقة. ـ كاتب فلسطيني