بالأبيض والاسود تحمل الينا الصحف صورة «حياة شرارة» وهي تبتسم ابتسامة مليئة بالشجن. لا احد يصدق ان هذا الجسد النحيف لتلك المرأة الاربعينية مليء بكل هذه الدرجة من الاحساس بالمرارة الامر الذي دفعها الى وضع حد لحياتها والاقدام على الانتحار. وكان يمكن ان يمر هذا الحادث في سرية تامة مثل عشرات الفواجع التي تحدث في الداخل العراقي منذ سنوات طويلة سبقت الحصار ولكن الظروف شاءت ان تكشف صفحة اخرى من الصفحات المرعبة التي يعيشها المثقفون العراقيون تحت وطأة النظام. فقد تكلفت اخت حياة الصغرى «بلقيس» بنشر رواية اختها الاخيرة تحت عنوان «اذا ايام اغسقت» وكتبت لها مقدمة إضافية تحكي فيها مأساة اختها الادبية الاكاديمية التي عاشت مرارة الواقع اليومي وصدمت طويلا لضغوطه وجاءت القشة الاخيرة عندما ارادت ان ترحل عن العراق برفقة ابنتيها الذاهبتين للتعلم في الخارج وتم منعها من السفر. لحظتها احست شرارة بأن الطوق قد احكم خناقه حول رقبتها ففضلت الانتحار الامر الذي كان من النادر حدوثه في البيئة العراقية المسلمة، والذي يقرأ الرواية يشعر بأن المناخ العام كله مناخ طارد ومميت.. فإذا لم يكن الخروج ممكنا فلا يوجد حل الا القبر. ان حياة شرارة لم تشأ ان تكتب «استعطافا» للسلطة كي تسمح لها بالسفر، لا لأن كرامتها الاكاديمية والادبية لم تسمح لها بذلك فقط بل لانها رأت ان هذا السفر هو ابسط حق يمكن ان يمارسه الانسان وأنه ليس من حق احد ان يحول الوطن الى سجن كبير يحتجز ابناءه. وقد اختارت الأديبة الراحلة الحياة الجامعية لتكون مسرحا لاحداث روايتها ويا له من مسرح، فهو موبوء بأجهزة الامن والتنصت والتجسس سواء اكانوا رجال امن محترفين او اساتذة او طلابا. انه مسرح مليء بالخوف المميت الذي يعاني منه كل واحد تجاه الآخر. ويكفي ان عميد الجامعة يقف على رأس اساتذته كل صباح مرتديا بزته العسكرية يصدر اليهم الاوامر والبذاءات ويؤكد لهم في كل لحظة انه رمز لسلطة غاشمة لا تعترف لا بالعلم ولا التقاليد العلمية وانما تستمد سلطتها الاساسية من قانون البطش والتهديد. أرض الشتات وإذا كانت حياة شرارة قد اختارت القبر، فإن عشرات المثقفين العراقيين قد اختاروا المنافي البعيدة مكانا لهم. والقليل منهم هو من استطاع الاستقرار في مكان قصي من هذا العالم بعيدا عن طائلة «فريق الاغتيالات» الذي يوجهه النظام العراقي لكل من يناوئه وحاول ان يجمع شتات نفسه وقلمه، اما الكثيرون فما زالوا ضائعين في ارض الشتات الواسعة وليست هذه الهجرة الجماعية مرتبطة بغزو العراق للكويت عام 1990 وهزيمة النظام وفرض الحصار الدولي عليه، ولكنها حالة قديمة من الفرار الجماعي بدأت منذ ان فرض هذا النظام سيطرته على البلاد وقام هو بنفسه بفرض «الحصار» على المثقفين من اجل «تبعيثهم»، اي ارغامهم على الانضمام لحزب البعث او «تصديمهم» للتغني بالولاء من اجل الحزب الاوحد، والزعيم الاوحد، وقد جرى ذلك في عملية اجتثاث وحشي للقوى الديمقراطية من كل التوجهات، قومية او يسارية، وصولا الى الطوائف والمذاهب والقوميات باستخدام جميع الاسلحة، لقد قال الشاعر الكبير عبدالوهاب البياتي قبل ان يموت في المنفى: «ان هجرة المثقفين العراقيين كانت محدودة جدا في العهد الملكي في حين انها ارتفعت الى اعداد لا تصدق مع وصول حزب البعث الى السلطة، بل ان هناك ظاهرة اخرى جديدة وهي ان الشعراء والادباء العراقيين ماتوا ويموتون في المنفى امثال غائب طعمه فرمان الذي دفن في موسكو، وبلند الحيدري الذي دفن في مقابر لندن والفنانة زينب التي دفنت في الليالي البيضاء الاسكندنافية، اما الشاعران الكبيران محمد مهدي الجواهري ومصطفى جمال الدين فقد نجوا من هذه الغربة البعيدة وماتا في دمشق وضمهما قبر السيدة زنيب، وها هما يرقدان بسلام دون ان يجرؤ احد على ان يعبث بقبريهما كما حدث في قبور الشعراء العراقيين في وطنهم..». انتهى كلام البياتي، وكان يمكن ان يتنبأ انه هو ايضا سوف يموت في الغربة.. وان دمشق سوف تكون احن عليه من أرض بغداد ولكن الموتى لا يروون القصص كما يقولون. ورغم المحنة اليومية التي يعانيها المثقف العراقي في تلك المنافي التي ترفض وجوده ولا تسهل له الحياة على ارضها فان السلطة العراقية تواصل ملاحقتها له ومنذ شهور قليلة اعلنت بغداد «هدر دم» المفكر والمحلل السياسي غسان العطية، كأنها تضيف محنة اخرى الى محنته الشخصية.. وهو ليس الاول ولن يكون الاخير في تلك القائمة الطويلة التي يواصل النظام صنعها عندما يستدعى عوائل هؤلاء المثقفين ويرغمهم على كتابه بيانات «هدر دم» الابناء والاشقاء لمجرد انهم رفضوا الاذعان لمنطق التسلط والعسف، وقد تم على مدى هذه الشهور الماضية اهدار دم العديد من النخب الاكاديمية والثقافية والفكرية، في محاولة من النظام لفرض «طابع شرعي» على القتل العمد الذي نلجأ اليه وسائل هذا النظام. في اعقاب العدوان الصدامي على الكويت في اغسطس 1990، تضاعفت اعداد الهاربين من جحيم الحصار الصدامي الذي احكم قبضته لا على منتجي الثقافة والفكر وحدهم بل على الممارسات الحياتية لمختلف النخب الاجتماعية من اكاديمية وفنية، واكتملت دائرة الاغلاق والمصادرة على النبض الثقافي والابداعي والفكري لشعب كامل ليصبح محاصرا ضمن دائرة خانقة من القهر السياسي والافقار الاقتصادي والتجويع المتعمد، مقابل الهدر المجنون للموارد والارواح في حروب وحماقات عسكرية (بدأت بالاكراد مرورا بايران وانتهاء بالكويت) وممارسات عدوانية فادحة الخطأ، لم يعد هناك مثقفون عراقيون ـ على اتساع مفهوم المثقف بتنويعاته المختلفة من مبدعين، واكاديميين، ومهنيين، وصحفيين.. الخ «مقيمين» داخل مجتمع العراق، اللهم الا اولئك المنخرطين في مسيرة «التبعيث» الصدامية، الممجدين لكل اشارة او لفتة او جملة تنطلق من قريحة «القائد الضرورة» و«القدر المخبأ للعراق منذ الازل» او هؤلاء الذين التزموا الصمت، او ماتوا كمدا وقهرا وفقرا، اذا ما نجوا من الموت ذبحا. تعتيم مطلق تلك حال الثقافة في العراق، حال المصادرة في الداخل، وحال الغربة وافتقاد الحضور في «الاوطان البديلة» ففي الداخل لا وجود الا لثقافة النظام المصنوعة في مؤسساته الحزبية واجهزة اعلامه بقيادة وتوجيه من محدودي الكفاءة والموهبة من كبار موظفي الدولة والحزب فهي غياب كامل وتعتيم مطلق على كل ما يجري في العالم اصبح الشعب العراقي لا يتلقى معلوماته الثقافية والفنية والسياسية الا من اجهزة اعلام السلطة، فالمطبوعات العربية والاجنبية محظور دخولها والاطباق اللاقطة للارسال التلفزيوني امتلاكها عقوبته السجن والانترنت تسمع به ولا تراه، والاذاعات العربية والاجنبية يسلط عليها كم هائل من التشويش، فلا يسمع المواطن في العراق الا ما يريده النظام ان يسمع ولا خيار له الا مشاهدة قنواته التلفزيونية التي تبث له صور القائد الملهم وحكمته وشجاعته، وتحذره في كل لحظة من «الاعداء المتربصين بالعراق، والجيران الخونة والمجرمين المحيطين به من كل اتجاه»! في خضم هذا الحصار للثقافة العراقية اصبح المواطن العراقي يعيش في زمن غير زمانه وعاد به عشرات السنين الى الوراء في زمن تزداد سرعة تطوره وتقدمه وارتقائه. وعلى مدى ثلاثين عاما او يزيد عاشت الثقافة العراقية ومبدعوها حياة الغربة والحصار في منافي العالم وقدم منتجوها ـ على الرغم من ذلك ـ ألوانا من ابدع واجمل ما شهدته واستمتعت به ساحات التلقي في مختلف ارجاء العالم العربي والعالمي.. الا في العراق قرأ العالم واستمتع واغتنى جماليا وروحيا بأشعار الجواهري والبياتي وبلند الحيدري، وبقى كثيرون في منطقة الحصار، بقي سعدي يوسف وعدنان الصايغ ومظفر النواب، وروايات الراحل في الغربة غائب طعمة فرمان وسليم مطر والربيعي والتكرلي، والابداعات التشكيلية لضياء العزاوي وجبر علوان وطابور طويل لاينتهي من المبدعين العراقيين في التشكيل والموسيقى والمسرح والغناء ممن اثروا الثقافة والفن العربيين واضافوا الكثير والاصيل لهما، لكن احدا لم يقرأ او يسمع او يشاهد ابداعاتهم في العراق فأي شيء آخر يمكن ان يصلح عنوانا لحال كهذا سوى المصادرة والحصار! واي حصار اكثر قهرا واضطهادا وألما من ان يسمح لطبول المزمرين للطغاة واعداء الحرية وانصاف المتعلمين بأن يستولوا على عقول وافئدة الجماهير، وقمع وتشريد ونفي كل من انطلق يغني خارج هذا السرب المنافق، وعزل شعب بأكمله ـ كل هذه السنين الطويلة ـ عن ابداعات ونتاجات ثقافة تنتمي اليه هو بالذات، وتسعى اليه عبر وسائط اغلقها باحكام ذلك الحصار المضروب حوله من نظامه الحاكم المتسلط على مقدراته. كيف نرفع الحصار؟ على انه اذا كان السعي الى رفع الحصار عن الشعب العراقي يواجه تعللات النظام وتهربه حفاظاً على مكاسبه السياسية والاقتصادية التي يحققها من استمرار حصاره هو للحياة العراقية كافة متعللا بالحصار الخارجي ـ فإن رفع الحصار عن الرأي والفكر والثقافة العراقية يبقى مطلبا ملحا يستحق قدراً اكبر بكثير مما نوليه حتى الآن من اهتمام، على الاقل على الجانب الانتاجي والابداعي لهذه الثقافة المحاصرة المقهورة فالصمت العربي ـ مثقفين وناشرين وعاملين في حقول الثقافة، وحكومات وشعوبا ـ على ما يجري من حصار للعقل العراقي والثقافة العراقية، امر لا يجوز الاستمرار فيه، مع اننا نشاهد العديد من المنظمات والحكومات الغربية المعنية بالثقافة تبادر الى تقديم الدعم والعون للمثقفين العراقيين معنوياً، ودعم انتاجهم مادياً، مساهمة في كسر الحصار الداخلي على تلك الثقافة. ان هذه الثقافة المحاصرة داخلياً والملاحقة خارجياً تتطلب من كل القوى الديمقراطية الحريصة على العراق بلداً وشعباً ان تتضافر جهودها الفردية والجماعية لدعمها وتمكينها من الوصول الى اوسع القطاعات الشعبية داخل العراق وخارجه لتقوم بتجديد روحها وفك اسرها انطلاقاً نحو الديمقراطية والانعتاق من الخوف والهزيمة والانكفاء على الذات. ان ساحات الثقافة في مختلف بلداننا العربية لمدعوة الى مزيد من الانفتاح على ابداعات واعمال مثقفي العراق وفنانيه ومفكريه المنتشرين في المنافي القريبة والبعيدة، عبر الفضائيات والاذاعات العربية والافساح في المجال لها عبر الدوريات والمجلات والكتب وحلقات النقاش والمؤتمرات وخشبات المسرح.. الخ، فلابد لهذه الثقافة الرافضة للاستبداد والديكتاتورية والمخنوقة في الداخل العراقي ان تتنفس في الفضاء العربي وان يتواصل بقاؤها واغناؤها لثقافتنا العربية، وان تجد في فضائها العربي الامان والطمأنينة لتسهم في نضال شعبها في الداخل وتسمعه صوتها وتشد من ازره للتخلص من كابوس القهر والاذلال الذي طال امده. ان توجيه الفنانين والمفكرين والمثقفين العرب جهودهم في دعم الثقافة العراقية المشردة والمطاردة وحمايتها هي الاجدى والاكثر نفعا والابقى في صالح الشعب العراقي من ذلك الحماس العاطفي المتمثل في مواكب الزيارات لبغداد ضمن برامج موضوعة من اجهزة الحكم والسلطة، مما يؤدي بالضرورة الى مزيد من دعم النظام في مواجهة المثقف العراقي المكابدة للألم والصراع ضد الديكتاتورية. ـ رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية يونيو 2001