داخل الادارة الأمريكية تتفاعل حرب باردة. ومحور هذه الحرب هو السودان.. أو بعبارة أدق مستقبل جنوب السودان. وبقيادة وزير الخارجية كولن باول يتبادل فريق يعمل على وضع نهاية للحرب، في السودان تسجيل النقاط مع فريق مناوئ يدعم حركة قرنق واستمرار الحرب بقيادة السيدة كوند اليسا رايس مستشارة الرئيس الأمريكي لشئون الأمن القومي. فأي الفريقين ينتصر؟ من أحدث وقائع هذه الحرب الباردة معركة حول تعيين «منسق عام» أمريكي لشئون السودان. فقبل نحو اسبوعين أعلن البيت الأبيض رسميا تعيين أندرو ناتسيوس «منسقا خاصا للشئون الإنسانية في السودان». وبناء على الصيغة العدائية التي صدر بها هذا الاعلان فان تحديد مهمة هذا المسئول «بزيادة وتحسين المساعدات لجنوب السودان» فان عمله الحقيقي غالبا ما سينحصر في مضاعفة امدادات القتال إلى قوات «الجيش الشعبي لتحرير السودان». ومن الواضح ان فريق السيدة رايس داخل الادارة الأمريكية من وراء تدبير هذا التعيين. ولم يستغرق الأمر طويلا ليأتي رد الهجوم من الفريق الآخر. فقبل بضعة أيام أبلغ وزير الخارجية كولن باول مجموعة الصحفيين الأمريكيين المرافقين له في جولته الافريقية ان الادارة الأمريكية سوف تعين عما قريب «منسقا عاما» للسودان. وبالطبع يلاحظ على الفور ان باول استخدم نفس اللقب ـ منسق عام ـ الذي استخدمته غريمته مستشارة الأمن القومي، لكن مواصفات «منسق» باول تختلف جذريا عن مواصفات منسق «رايس». فإذا كانت مهمة المنسق وفقا للسيدة رايس سوف تكون تسعير الحرب في جنوب السودان من خلال رفع وتائر الدعم لقوات قرنق فان مهمة المنسق كما حددها وزير الخارجية هي على النقيض «وضع نهاية للحرب» على حد قوله. «في المستقبل القريب جدا»، يقول باول، «سيعين الرئيس أو سأقوم بتعيين منسق عام لجهودنا السياسية وغيرها من الجهود في محاولة لاقرار السلام في هذا البلد المضطرب». وهكذا يتواصل تبادل القذائف الدبلوماسية في هذه الحرب الباردة داخل ادارة بوش بما يجعل سياسة الرئيس الأمريكي تجاه السودان مرتبكة ومترددة ومتناقضة. ولعل أشد الأخبار اثارة في هذا الصدد ما أوردته «واشنطن بوست» قبل بضعة أيام «نقلا عن مسئولين أمريكيين» بأن الحكومة الأمريكية قررت تقديم امدادات لوجستية إلى حركة قرنق بقيمة ثلاثة ملايين دولار. ولان «واشنطن بوست» ذات نفوذ تقليدي في مؤسسات السلطة الأمريكية فان قول وزارة الخارجية الأمريكية انه لا علم لها بهذا الأمر يسبب حيرة لمن يتابع التعامل الأمريكي الرسمي مع قضية السودان، على خلفية الصراع الدائر داخل الادارة الأمريكية. فهل أجيزت هذه المعونة بواسطة فريق مستشارة الأمن القومي أو وزارة الدفاع دون اشراك وزارة باول أو حتى مجرد ابلاغها؟ إن ما يثبت رجاحة هذا الاحتمال تعقيب صادر عن شخصية غير رسمية محسوبة على فريق باول. فقد أكد ستيف موريسون أحد خبراء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، وهو مؤسسة تتبنى وقف الحرب في السودان، ضمنا صحة الخبر من خلال معارضته لهذا العون لحركة قرنق قائلا انه «يغذي آمالا وتوقعات كاذبة لدى الجنوبيين ويعزز نزعة الشك لدى حكومة الخرطوم». وليس معلوما متى ينتهي هذا الصراع الأمريكي الداخلي تجاه قضية الحرب في جنوب السودان أو كيف ينتهي. وإلى أن يحسم ويسفر عن نتيجة نهائية فان سياسة الولايات المتحدة تجاه السودان سوف تظل سياسة ثنائية قوامها تضارب وتناقض وارتباك.