للشاعر أوتار يترجم على إيقاعها أحاسيسه لتصير كلمات لها فعل السحر في قلوب المتذوقين وللمطرب أوتار تحول كلمات الشعر الجميل إلى ذبذبات أجمل وارتعاشات أكثر روعة، وأشد إرهافا حتى يكاد المرء لا يدري هل يكتفي بقراءة الشعر والاستمتاع بموسيقاه أو يتحول إلى سماع الإيقاع بين وتر الحنجرة أو أوتار العود أو أنات الناي وأغلب الظن أن الأجمل والأبقى أن نصنع من هذا كله سبيكة ماسية تنصهر فيها مشاعر المبدعين وكلمات المنشئين وحناجر المطربين وأداء الموسيقيين وبهذا وحده يصبح وجه الحياة أجمل.. تهون أوصابها وتخف مآسيها.. وتستحق من ثم أن تعاش. والحق نقول لك أن استرعى اهتمامنا خلال سياحة من قراءة وشيء من تأمل، قدرة الشاعر المبدع على شيء يصف الغناء الرائع.. ومن ثم فنحن بإزاء دورة اتصالية كاملة كما يقولون في علم الاعلام الحديث.. بدأت أولى رسائلها موجهة من حنجرة مطرب أو مطربة فتلقاها باستقبال حافل وجدان شاعر موهوب ومطبوع.. ثم هاهو الشاعر يعيد الى قارئيه ترجمة رسالة الطرب التي جاش بها وجدانه، فيبثها اليهم شعرا جميلا.. اخترناه لك في هذه السطور من لغات ثلاث ولا غرور هي الانجليزية والتركية والعربية. فأما الشاعر الانجليزي فهو ويليام ورذورث الأب الروحي لتيار الشعر الرومانسي في الأدب الانجليزي وقد امتد به العمر بين عامي 1770 و1850 للميلاد.. وترك تأثيره العميق في جيل كامل من شعراء بلاده في العصر الحديث لعل من أشهرهم لورد بايرون وبيرسي شيللي وجون كيتسي اضافة الى رفيق دربه وشريكه في التبشير بمدرسة الرومانسية وهو الشاعر الانجليزي الكبير صمويل تايلور كولودج. عاش ورذورث في اقليم البحيرات الشهير.. وهو من أجمل مناطق الجزيرة البريطانية واذ قادته اسفاره يوما الى مرتفعات اسكتلندة.. سجل لحظة رائعة سمع فيها صبية فلاحة من أهل تلك الروابي الخضر الشارقة كانت تحصد القمح وحيدة فيما كان صوتها ينساب بين شعاب الجبال نديا قويا بالغ العذوبة حتى استوقفت شاعر الرومانسية الكبير فكان أن كتب قصيدة (الحاصدة الوحيدة) أو (عندما كانت تحصد وحدها) وهي من عيون الشعر الانجليزي.. واليك محاولة من جانبنا شخصيا كتر الله خيرنا ولا شكر طبعا على واجب وربما تنقل اليك المحاولة جانبا أو بعض جانب من عذوبة ورذورث وهو يصف تجربته في سماع صبية تنشد من صميم القلب أنشودة في زمن حصاد.. يقول: أرهف السمع اليها اذ تغني وحدها بين الحقول حلوة في الجبال الخضر تنشد، وهي تحصد، دون صحب أو رفيق. أرهف السمع وانصت.. وتأمل أو تفارق، صامتا وسط السكون. صوتها انغام بلبل.. يجتلي وجه الربيع، يحمل البشرى الى وجدان قافلة نال منها كل جهد.. في الصحاري العربية. آه لو أعرف ما تغنيه الصبية! ربما كانت تردد ذكريات ربما كان غناء ساذجا من أناشيد بسيطة، أو حكايات تتردد في حنايا الليل أو في شمس النهار قد سمعنا وطربنا يافتاة ورأينا منجلا يحصد الزرع يغني للحياة وافترقنا من ذرى الربوة للدنيا الفسيحة وتلاشت في اثير الجو كل النغمات لكن: ها هو القلب يردد ماسمعنا منذ القينا الفؤاد اليها اذ تغني وحدها.. بين الحقول. وهذا يامولانا ماكان من امر الشاعر الانجليزي ويليام ورذورث. أما الشاعر التركي فاسمه الاستاذ ابراهيم صبري وقد عاش في مصر في كنف والده الشيخ مصطفى صبري آخر من تولى منصب مشيخة الاسلام في ظل الدولة التركية العثمانية وقد لجأ الى مصر عام 1923 فرارا من بطش الكماليين الذين هدموا امبراطورية بنى عثمان في اسطنبول.. وقد عمل الاستاذ ابراهيم صبري استاذا للغات الشرقية في جامعة الاسكندرية وكان صديقا للعلامة محمود شاكر عليه رحمة الله يخلو الى بيته الواسع في القاهرة ويستمع مع أصدقائهما الى صوت أم كلثوم فلاحة الدقهلية عند دلتا النيل اذ كان الصوت في عنفوان قوته وأوج تألقه وذروة عافيته في ثلاثينيات القرن العشرين. في احدى زيارات ابراهيم صبري لبيت الشيخ شاكر بلغت نشوة الطرب بالشاعر التركي المتمصر الحد الذي دفع الشاعر الى تدبيج قصيدة باللغة التركية نشرتها مجلة (الرسالة) نضّر الله أيامها وجزى الله الاستاذ الزيات صاحبها ومحررها خير الجزاء. والرسالة كما يقول صديقنا الناقد الكبير الأستاذ رجاء النقاش منشورة بتاريخ 26/10/1942 ورغم ان الرسالة قدمت القصيدة بقولها انها من ترجمة الأستاذ محمود شاكر، الا أن الأستاذ رجاء النقاش يلاحظ أن محمود شاكر لم يكن يعرف التركية وأغلب الظن في رأيه أن أحد العارفين بالتركية ترجم معانيها وقام محمود شاكر بصياغة الترجمة صياغة أدبية رقيقة وجميلة. القصيدة التركية حملت عنوان (ذكرى أم كلثوم) والحق أن هذا العنوان لا يروق لنا بصراحة. فهو يوحي بمعاني التأبين أو رثاء الراحلين ويومها كانت المطربة المقتدرة الموهوبة في عز مجدها وكان أمامها 33 عاما الا قليلا من امتداد الأجل.. وعندنا ان كان الأحرى أن يقال ذكريات مع صوت أم كلثوم أو ماشابه ذلك، والله أعلم. تقول كلمات القصيدة التركية: (أم كلثوم.. قصيدة وردية انسكبت من أباريق اللحن في أرواحنا. حين تأخذني سكرة الابداع أجد قلبي نشوان وتذهب أعصابي في اغفاءة هادئة لفرط ما سكرت بهذا الصوت.. وحينما أشعر بصعود خيالي محلقا وحده إلى عالم الروح تاركا على الأرض كل ما هو نقيض لهذا الصوت السماوي). (أراني أصل بخيالي الى القمر حيث أصادف ألحانا من عالم السحر والجمال وفي القمر يرفقني صوت أم كلثوم حيث النور الشفاف.. صوت يغرد كشدو البلبل في ربا الجنات. كأنما يفوح منه عبير ماء الورد وحين تبدأ أم كلثوم في الغناء ينبعث صوتها كأنه وسوسة من الرزاز المتطفئ على صفحة النيل الاخضر الذي ينساب أمام قرص الشمس حين يصبح لونها مثل لون النارنج.. ثم اذا بك تحس بهذا الصوت يتحول الى أمواج في بحر.. تندفع الأمواج لترتطم بالقلب ثم اذا بك تعاين الصوت يقتصر على جميع المسافات ويختصر كل الأبعاد فتحس أن صداه يأتيك من خلف سور الفضاء!! و.. هكذا كان وقع الصوت والنغم الكلثومي في وجدان شاعر يكتب بالتركية. فأما شعر العربية.. فلا يفوتنا العم الكبير ابن الرومي (وهو سيد) من تغنى بأصوات الموهوبين في صناعة الطرب وفن الغناء.. ولن نمل علم الله من الاقتباس من داليته الشهيرة في السيدة (وحيد) المغنية زائعة الصيت في عصره.. لماذا؟.. لأن ابن الرومي يصف صوتها فيقول: فيه وشيْ، وفيه حليْ من النغم مصوغ، يختال فيه السيد طاب فوها وماترجع فيه كل شيء لها بذاك شهيد فلها الدهر لائم مستزيد وبها الدهر سامع مستعيد في هوى مثلها يخف حليم راجح حلمه ويغوى رشيد ماتعاطى القلوب الا اصابت بهواها منهن، حيث تريد أخيرا يصل بنا ابن الرومي الى العيب(!) الذي يرصده في اداء الاستاذة (وحيد) فيصوره على النحو التالي: عيبها أنها إذا غنت الاحرار ظلوا وهم لديها عبيد واستزادت قلوبهم من هواها برقاها، ومالديهم مزيد كل هذا السحر الحلال في الشدو المعجب المطرب الجميل! لا عجب أن يأتي شاعر كبير.. معاصر هذه المرة هو أحمد شوقي فيصف أم كلثوم سواء حين تتكلم أو حين تشدو بالقصيد.. يقول: حديثها السحر، الا أنه نغم جرت على فم داود فغّناها.