توفي الدكتور إبراهيم أبو لغد في فلسطين الاسبوع الماضي. سيكتب وينبغي أن يكتب الكثير عن هذا الرجل. فقد كان قائدا عظيما، وكان بالمعنى الحرفي للكلمة أحد مؤسسي الحركة النشطة للعرب الأمريكيين. وكان مفكرا وباحثا كذلك. وكان متحدثا لبقا وصاحب حجة قوية أيضا. ولكن الأكثر من كل ذلك هو انه كان فلسطينيا. وقد أنارت نيران وطنيته ما حولها. وكل شيء فعله كان مدفوعا بالتزامه نحو فلسطين ومؤثرا فيمن حوله. ترك إبراهيم أثرا كبيرا في حياتي. وكان بالنسبة لي بمثابة الناصح المخلص والمثل الأعلى. لقد تعرف علي في بداية السبعينيات ودفعني وشجعني لان أكون الناشط الذي عرف جيدا أن بمقدوري أن أكونه. وفي ذلك الوقت كنت طالب دراسات عليا يسعى للحصول على درجة الدكتوراة في الدراسات الاسلامية. وقال لي انه يقدر قيمة حصولي على الشهادة، لكنه رأى السياسي الكامن بي والذي يتعين رعايته. فدعاني إلى الانضمام إلى رابطة خريجي الجامعات الأمريكية العرب، وهو تجمع كان هو وادوارد سعيد قد ساعدا في تشكيله قبل ذلك بسنوات قليلة. وهذا ما حدث بالفعل، فبعد عام على تلك الدعوة، وجدت نفسي في أول اجتماع لي في رابطة خريجي الجامعات الأمريكية العرب في واشنطن دي. سي. وقد حضرت ذلك الاجتماع لالقاء بحث مطول كنت قد كتبته عن الثورة الفلسطينية بين عامي 1936 - 1939. وكانت تلك أول تجربة أخوضها من هذا النوع وكنت لا أزال شابا وعصبيا في ذلك الوقت. لكن ابراهيم كان قد قرأ البحث وشجعني على تقديمه. مهمة خاصة كان ذلك في عام 1973، وكان الجو السائد في الاجتماع مكهربا وباعثا على النشاط. فالرئيس نيكسون كان في خضم اجراءات العزل بحقه والشرق الأوسط كان بحالة حرب. وكان هذا هو حال رابطة خريجي الجامعات الأمريكية العرب في ذلك الوقت، حيث كانت الاداة السياسية الرئيسية للعرب الأمريكيين. وعملت تلك الرابطة على تشكيل وصياغة مجتمع معين وأوجدت هوية سياسية. والأهم من ذلك هو انها جمعتنا معا وكانت ملهمة لنا. وبالاضافة إلى ذلك، فقد كانت مدرسة للعرب الأمريكيين، علمتنا ومنحتنا الفرصة كباحثين شباب لتقديم أبحاثنا أمام نظرائنا ولنشر أعمالنا وايصالها إلى جمهور أعرض. وعلاوة على ذلك، فان رابطة خريجي الجامعات الأمريكية العرب، في أيام مجدها، فتحت قناة اتصال بين أولئك الذين كانوا يبلغون سن الرشد منا وعمالقة السياسة والفكر في العالم العربي. وبعد عامين، طلب مني إيراهيم أن أرشح نفسي لمنصب رئيس الرابطة. لم أكن في ذلك الوقت سوى شابا يبلغ من العمر 31 عاما ولم أكن واثقا من كيفية التصرف في هذه الحالة. فجاء إلى زيارتنا أنا وزوجتي في نهاية الاسبوع وتحدث معي عن مخاوفي. وفي أحاديثنا الطويلة، كان يسدي لي النصح ويقوي من عزيمتي. وفي العام التالي (1976) أوكل لي مهمة خاصة. فقد كان يعتزم دعوة ثلاثة اسرائيليين إلى الولايات المتحدة لحضور اجتماع ذلك العام لرابطة خريجي الجامعات الأمريكية العرب. ولقد أراد مني أن أنظم لهم جولة قومية لالقاء الخطب. كانت التجربة برمتها ذات طابع تحولي بالنسبة لي. والثلاثة الذين كانوا سيحضرون هم توفيق زياد واميل توما وفيليتسيا لانجر. كان توفيق زياد هو السياسي الشاعر الذي ساعدت قيادته على احداث تحول في المجتمع العربي في اسرائيل. وكان اميل توما مفكرا وكاتبا موهوبا. أما فيليتسيا، فكانت المحامية النشطة في مجال حقوق الإنسان والتي كانت أول المدافعين الكبار عن ضحايا الاحتلال الاسرائيلي من الفلسطينيين. كان ظهورهم في المؤتمر وجولتهم حدثان ناجحان وتمخضا عن شيئين هامين بالنسبة لي. فقد أعطاني ابراهيم الأوراق التي قدمت في المؤتمر وطلب مني أن أضيف عليها تصوري الخاص وأن أوظفها جميعا في كتاب. وهكذا أصبح كتاب «تصورات جديدة حول العرب الفلسطينيين واليهود الاسرائيليين» بمقدمة من الدكتور إبراهيم أبو لغد أول عمل ينشر لي. أما الشيء الآخر، فكان يتعلق أكثر بما كان في ذهن ابراهيم عندما دفعني إلى البدء بهذا العمل في المقام الأول. فقد أصبت بالضجر من التدريس في الجامعة وبالاحباط من الرابطة. وأردت أن أصبح أكثر نشاطا من الناحية السياسية. فالجولة فجرت الحماس في داخلي. جهد متواصل لقد أدت تلك الجولة إلى تشكيل شبكة قومية استثنائية من المنظمين والنشطاء وأحدثت القصص التي روتها فيليتسيا وتوفيق زياد ضجة كبيرة. وانطلاقا من كل ذلك، قمنا باطلاق حملة فلسطين لحقوق الإنسان، وهي منظمة قومية مكرسة لحماية الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة. شجعني إبراهيم على هذا العمل. وبينما لم يفهم الآخرون هذا الجهد في مجال حقوق الإنسان، فان ابراهيم كان يفهمه تماما. وكان دعمه حاسما لنجاحنا المبكر وكذلك نصائحه المخلصة المتواصلة. وقد أعطى دفعة للعمل وشجعه. وكان يقدم الاشادة عندما يكون الأمر في مكانه الصحيح والانتقاد اللاذع عندما كان الأمر يستحق ذلك. كان لديه أسلوبه الخاص في الحديث. ولقد قلت له في احدى المرات انه يتحدث مثل بندقية رشاشة بجمل قصيرة متقطعة تشد الانتباه وتستدعي الاحترام. وكانت زوجتي تقول ان بمقدورها أن تعرف دائما أنني أتحدث مع ابراهيم على الهاتف لان «قدميك تقتربان من بعضهما وتقف وقفة الاستعداد، وتومئ برأسك بين الفينة والأخرى موافقا». إن ما أدركته هو ان حملة فلسطين لحقوق الإنسان كانت هامة لابراهيم لانها كانت تدور حول فلسطين. لقد دافعت عن فلسطين، وحملت الأمريكيين على دعم فلسطين وأبقت على اسم فلسطين حيا في الصحافة. كانت الحملة ناجحة وكان ابراهيم فخورا بها. لقد تركت التجمع في عام 1980 عندما شاركت في تأسيس اللجنة الأمريكية - العربية المناهضة للتمييز. وشعر ابراهيم بخيبة الأمل إلى حد ما لانه، كما أشار، كان يأمل بأن أظل مركزا على فلسطين. وعندما تركت اللجنة في عام 1989، استدعاني لمشروع آخر. فقد فوضني هو والدكتور ادوارد سعيد باعداد بحث حول كيفية القيام بعمل معلوماتي فلسطيني في الولايات المتحدة. وكان يأمل، كما أخبرني، أن يؤدي ذلك إلى اعادتي للتفرغ بالعمل من أجل فلسطين. أعددت البحث، ولكنني بقدر ما كنت ملتزما ازاء الحقوق الفلسطينية، كنت ملتزما كذلك بقضايا لبنان والعلاقات الأمريكية - العربية وبالأخص مساعدة العرب الأمريكيين سياسيا، وهكذا قمت في عام 1985 بتأسيس المعهد العربي الأمريكي. الوطني الملتزم كانت حياة إبراهيم تشهد تغيرا وكذلك الأمر بالنسبة لي، ولفترة معينة لم أسمع منه شيء إلا في مناسبات خاصة. فقد اتصل بي، على سبيل المثال، في عام 1988، للتعبير عن سروره من جهودي الناجحة في ادخال القضية الفلسطينية إلى نقاش عام في مؤتمر للحزب الديمقراطي. وفي عام 1992، عاد إبراهيم، الوطني الملتزم إلى فلسطين للتدريس في جامعة بيرزيت. فلقد أدرك انه إذا كانت فلسطين ستبنى، فانه يريد أن يكون أحد المشاركين في بنائها. وبينما كان الآخرون مجرد منتقدين، كان هو مشاركا في البناء. ولفترة من الوقت، لم أسمع منه شيئا، ولكن في عام 1996، تلقيت رسالة بالبريد الالكتروني من إبراهيم. وكنت قد كتبت مقالة أقارن فيها الصراع في ايرلندا بالصراع في فلسطين. وقال انه أعجب بتلك المقالة. وكانت اشادته تعني لي الكثير وأنا في عمر الخمسين تماما مثلما كانت وأنا بعمر الثلاثين. وبعد تلك الرسالة، كان الاتصال يتم بيننا بالبريد الالكتروني أو عبر الهاتف أحيانا. وعندما أخذ ابني مشروع تخرجه للمحاماة وهو بعنوان «مشروع السلام الفلسطيني» إلى الضفة الغربية، التقى إبراهيم. وكان أبو لغد مسرورا بجهده وأنا كنت فخورا جدا. كان ابني جوزيف هو الذي اتصل بي ليخبرني بوفاة إبراهيم. ولم استطع أن أغالب البكاء عندما علمت ان ابراهيم سيدفن في يافا. فقد كانت تلك المدينة هي مسقط رأسه والمدينة التي عمل دائما من أجل العودة إليها. وفي الواقع انه خلال السنوات كلها التي عرفته فيها وكنت محظوظا بالتعلم منه والعمل معه، كانت فلسطين هي هدفه. وكانت حبه، وكما قلت، فان ذلك الشعور كان معديا. إنني أدين بالكثير مما أنجزته في حياتي إلى ابراهيم. وأنا أعلم وأنا أكتب هذا بأن هناك مئات الأشخاص الآخرين الذين يمكنهم، وآمل، أن يكتبوا الشيء نفسه. ولا يسعنا إلا أن نأمل بأن نكون موضع مساعدة ودعم وإلهام للجيل القادم كما كان إبراهيم بالنسبة لنا. ـ رئيس المعهد العربي الأمريكي