من المتعين على أحمد ماهر وزير خارجية مصر الجديد أن يكثف عطاءه الدبلوماسي للقضية الفلسطينية في هذه المرحلة العصيبة للصراع العربي الإسرائيلي، وإنقاذ شعب العراق من ويلات الحصار الأمريكي الظالم، حتى يستعيد دوره السياسي والحضاري الذي كان له على الصعيد القومي، لكن يظل السودان يفرض نفسه بالحاح على رأس أولويات الأجندة الدبلوماسية المصرية، لا لأن العلاقات المصرية السودانية أزلية، أو لأن السودان عمقا استراتيجيا لمصر والعكس صحيح، إنما لأن الأخطار المدلهمة بالسودان من كل حدب وصوب باتت باليقين تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، ومن هنا لايكفي الاعلان في الخطاب السياسي المصري على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان فحسب، بل يتحتم أن تبادر مصر إلى دور فاعل ومسئول لمساعدة السودان على إجهاض المؤامره الكبرى التي تستهدف تقسيمه إلى دويلات عرقية متناحرة، دويلة عربية في الشمال وأخرى زنجيه في الجنوب وثالثة ورابعة تضم المناطق المهمشة في شرق وغرب السودان وربما جبال الإنقسا كذلك! ليس هذا ضربا من التخمين أو الافتراض، لكنها الحقيقة التي يشي بها اندلاع التمرد المسلح في هذه المناطق ضد السلطة المركزية في الخرطوم على غرار تمرد أبناء الجنوب، ومطالبتها كذلك بأن يشملها أي استفتاء شعبي في المستقبل حول تقرير المصير، وعجز النظام الحاكم في السودان عن مواجهة التمرد عسكريا في أكثر من جبهة بحكم إمكاناته المتواضعة من جهة، وإصراره من جهة أخرى على فرض مشروعه السياسي الأحادي الاستئصالي الذي يأبى التجاوب الديمقراطي مع تطلعات أبناء هذه المناطق للمواطنة المتساوية والقسمة العادلة للسلطة والثروة، والأخذ في الاعتبار تمايزها الثنائي أو العرقي أو الديني في دستور علماني يؤسس للنهوض لسودان جديد على أنقاض السودان القديم الذي تولدت عنه الشقاقات والمظالم والحروب الأهلية !. المطلوب إذن من الدبلوماسية المصرية في عهدها الجديد تسريع وتيرة عملية إجتياز المبادرة المصرية الليبية بفرض المشاورات مع الفرقاء السودانيين إيذانا بمرحلة التنفيذ، عبر جمع الوان الطيف السياسي على صعيد النظام الحاكم وفصائل المعارضة حول مائدة الحوار الوطني بدون شروط مسبقة سوى الإلتزام بإنقاذ السودان، وإستبعاد منطق القوة لفرض توجهات ومواقف الوقاية على الاجماع الديمقراطي يتساوى في ذلك النظام الحاكم أو الحركة الشعبية بزعامة العقيد جون قرنق، مما يعني التسليم بوقف إطلاق النار أولا من دون قيد أو تأخير خاصة بعد أن أسفر الصراع المسلح بين الجانبين لا عن غالب ولا مغلوب، وإذا كانت مصر وليبيا على علاقة يحدوها الثقة المتبادلة مع الفرقاء السودانيين، لكن تظل الحاجة ماسة الى آلية دبلوماسية وشعبية مستقلة ومتنوعة، لديها كافة الصلاحيات والإمكانيات التي تؤهلها لتفعيل المبادرة المشتركة ووضعها في حيز التنفيذ، إستباقا لمشروع الإدارة الأمريكية المعلن لرأب الصدع السياسي في السودان بتقسيمه الى دولتين في الشمال والجنوب، والتمويه على هذه المؤامرة المشبوهة برابطة كونفدرالية تجمع بينهما، تكريسا لما فشل الاستعمار البريطاني في تحقيقه اللهم سوى فصل السودان عن مصر على أن ما جرى الاتفاق عليه مؤخرا بين الرئيس حسني مبارك والرئيس عمر البشير في لقاء شرم الشيخ، حول شروع البلدين إلى تنفيذ مشروعات زراعية إستراتيجية في السودان أو شراكة تكاملية في مثلث حلايب الحدودي، يحتاج بالضرورة إلى أن تتزامن الإرادتين الرسمية مع الشعبية لبحث جدوى ومصداقية هذه المشاريع وإجازتها عبر المؤسسات الديمقراطية أولا خشية تكرار ماحدث فور إندلاع الإنتفاضة الشعبية في السودان عام 1985، والغاء الحكومة الديمقراطية بزعامة الصادق المهدي لميثاق التكامل بين البلدين بدعوى إنحيازه لمصلحة نظامي جعفر نميري وأنور السادات، وتقويض التجربة لكل ما تم إنجازه من المشاريع الاستراتيجية المشتركة في شتى المجالات التنموية والثقافية والاجتماعية. ـ كاتب مصري