أستطيع أن أؤكد ـ وبشكل كبير ـ ان كثيرات من الأمهات في هذه الأيام في حالة يرثى لها، وخاصة العاملات أو الموظفات تحديداً، فمع نهاية امتحانات فصول النقل، وبداية موسم الاجازة المبكر لطلاب وطالبات المراحل الابتدائية، والاعدادية تمسك الأم الموظفة برأسها حائرة قلقة، وسؤال يصرخ على لسانها، ماذا أفعل وكيف أتصرف؟ كيف أذهب مطمئنة إلى عملي وابني المراهق الصغير أو ابنتي في المنزل لوحدهما؟ وبالفعل، فما ان بدأ موسم هجرة المدارس، وبدا واضحاً ان موسم الاجازة طويل سيمتد لثلاثة أشهر لطلاب بعض المراحل، حتى بدأ القلق والتوتر والشد العصبي يجتاح منازل الأسر التي تعمل فيها الأم حتى وقت متأخر من النهار، ويمضي فيه الصغار أوقاتهم الطويلة هذه بعيداً عن الأعين، فما العمل؟ وما هو التصرف الأسلم؟ يتطور المجتمع، ويتعلم الناس، وتزيد دخولهم، وتبدأ بالتالي فواتير هذا التطور تظهر الواحدة بعد الأخرى، وغالبا ما تدفع النساء والأطفال الثمن غاليا، ويعاني المجتمع معها من آثار تصل حدود التدمير والجريمة والانحرافات الكبيرة، فما العمل؟ الأم الموظفة أصبحت احدى اشكاليات المجتمع الذي عليه ـ كما نعتقد ـ ان يحوطها بسياج من الأمان والضمانات التي لا تجعلها تدفع الثمن لوحدها في سبيل المشاركة في البناء والتنمية، فالبناء والتنمية والمشاركة في خدمة المجتمع لا تعني بأي حال من الأحوال تدمير الأسرة وترك الصغار يواجهون التحديات والمخاطر بعيداً عن رقابة الأسرة وحماية الأم وتوجيهات الأب، خدمة المجتمع لا تعني ويجب ألا تعني خروج المرأة والرجل للعمل على حساب انحراف الأبناء لأننا نكون نعمل في اتجاه التدمير والهدم وليس البناء أبداً. وحينما اتصلت احدى السيدات لتحكي حالتها مع أبنائها الثلاثة الذين انهوا امتحاناتهم وبدأوا اجازتهم المبكرة، فقد أحسست بأنها كادت تبكي بالفعل، لأنها كانت حائرة، فإجازة الأطفال طويلة واجازتها هي شهر واحد فقط، بحسب أولويات اجازات بقية الزملاء والزميلات في العمل، اضافة إلى عدم قدرتها على ترك العمل نهائياً بسبب احتياجها له، ناهيك عن كونها لا تقدر ماديا على تكاليف الحاقهم بمعاهد أو أماكن الترفيه ذات الاشتراكات المالية العالية، فإذن ماذا تفعل؟ كانت تتساءل وتضع الحلول، وكنت أفكر في قانون الخدمة المدنية الذي لم يبت الأمر فيه وتركت جلسة مناقشته مفتوحة بين الحكومة والمجلس الوطني بسبب الخلاف على الكلفة المالية لاجازات الأمومة للموظفات، كنت أفكر وأتمنى ان يصل المجلس والحكومة إلى قرار في صالح الأم والطفل والمجتمع، فهؤلاء أمانة عظمى لا توازيها كل الأموال! أما الأمهات الموظفات اللواتي يخرجن صباحاً تاركات أبناء في عمر المراهقة المبكرة، لا يعلمن كيف سيقضون الوقت في منزل خال إلا من الخادمة، فهؤلاء يحتجن إلى تفكير وجهود لمعالجة حشود الأطفال والمراهقين الصغار الذين ينهضون من نومهم إلى الشارع مباشرة، ومن الشارع إلى رفاق السوء، أو إلى المقاهي، والمراكز التجارية، وصالات السنوكر والبولينج، وإلى تجمعات التدخين، ومشاهدة الأفلام السرية، وإلى... وإلى... طالما لا توجد رقابة، حيث الأم ليست في المنزل لتوجه وتراقب وتمنع وتسمح، إنها في العمل أغلب ساعات النهار، أما الصغار فمتروكون للخادمة التي بدورها غير معنية بأمر التربية والحفاظ على أخلاقيات الأبناء، فهذا ليس دورها، ولن تقوم به خادمة ذات يوم! كيف يجب ان تتصرف مؤسسات المجتمع حيال هذا الوضع، هذا ما نضعه بين يدي أصحاب المسئولية، حيث كلكم راع، وكلكم مسئول. وحيث المخارج موجودة والامكانيات متوفرة، والمطلوب قرار باتجاه تفعيل النوادي الصيفية واستغلال النوادي الرياضية والحدائق العامة بأسعار رمزية للطلاب، ورحلات للجزر، و... إلخ.