كان القطار ينهب الأرض في طريقه من لندن إلى مدينة ليفربول عندما تقدم مفتش التذاكر من أحد الركاب طالباً منه إبراز تذكرته فأجابه الرجل بأنه محرر في جريدة «التايمز» ولكن المفتش ساوره الشك فقال له: إن معنا في هذه العربة رئيس تحرير الجريدة التي تعمل بها فتعال معي كي يتعرف عليك. ولم يجد الراكب مناصاً من أن يصحب المفتش إلى حيث يجلس رئيس التحرير الذي سأله المفتش عمّا إذا كان هذا الرجل يعمل محرراً في جريدته ليجيبه قائلاً: بل هو أكفأ محرر في الجريدة. ولما وصل القطار إلى ليفربول تقدم الراكب من رئيس التحرير قائلاً: أشكرك يا سيدي فقد أنقذتني من ورطة مخجلة. فابتسم الرجل قائلاً: عفواً يا صديقي.. فأنا أيضاً لست رئيس التحرير! مازلت أجهل حتى الآن السبب الذي دفع أحد القراء إلى إرسال هذه الطرفة لي، وأبحث عن مبرر مناسب عدا رسم ابتسامة ربما أصبح المرء يفتقدها هذه الأيام لهول ما يرى ويسمع من أحداث تنقلها لنا كاميرات التلفزيون وصور وكالات الأنباء على النحو الذي يجعلني أربط بين مغزى الطرفة وبين المصداقية والتقدير اللذين يحملهما المجتمع للعاملين في هذا المجال الذين لولا تضحياتهم لما وصلت إلينا هذه الصور الحية من ميادين القتال ومناطق الأحداث الساخنة. الانطلاق من هذه النقطة إذن يجعلنا ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى لا علاقة لها بتلك الفكرة التي ترسخت في أذهان البعض عن الرفاهية التي ينعم بها العاملون في أجهزة الإعلام، مما دفع الصحفيين ـ في رد فعل مباشر ـ إلى إطلاق وصف «مهنة البحث عن المتاعب» على مهنتهم حيث يعتقد الكثير من العاملين في بلاط صاحبة الجلال ـ وهو وصف تفخيمي آخر ـ انه تعبير غير دقيق أو ربما كان مبالغاً فيه إلى حدٍ ما. هذا الخلاف بين أصحاب المهنة الواحدة تؤيد فيه وجهة نظر المتحمسين لإبراز حجم المعاناة التي يكابدها العاملون في هذا الميدان تلك الأرقام التي تنشرها منظمة «مراسلون بلا حدود» عن عدد الذين فقدوا حياتهم أو أصيبوا أو اعتقلوا من الصحفيين كل عام، وهي أرقام تتأرجح ارتفاعاً وانخفاضاً مع تزايد نقاط التوتر والحروب في العالم وتراجعها، فنظرة على التقرير السنوي للمنظمة تعطي انطباعاً غير مريح عن المعاناة التي يتعرض لها أبناء هذه المهنة والمخاطر التي يواجهونها، إذ بلغ عدد الصحفيين الذين قتلوا خلال عام 1998 تسعة عشر صحفياً ارتفع في العام 1999 إلى ستة وثلاثين، وقد شهد عام 2000 اغتيال اثنين وثلاثين صحفياً أثناء قيامهم بمهماتهم أو بسبب ابداء رأيهم بينما تعرض اربعمئة رئيس تحرير للتهديد وأغلقت ثلاثمئة صحيفة، وحتى إبريل من هذا العام قتل أربعة صحفيين وتعرض أربعة وسبعون صحفياً للسجن في أنحاء متفرقة من العالم، وتعتبر المنظمة أن أكثر من ثلث سكان العالم يعيشون في بلدان لا تنعم بالحرية. أما معرض «قصص الحرب» الذي افتتح قبل أيام في ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة فيحكي قصة أكثر من سبعمئة صحفي قتلوا أثناء تغطيتهم للحروب خلال القرنين الماضيين. يقول «هارولد ايفانز» رئيس التحرير السابق لصحيفة «صنداي تايمز» البريطانية الاسبوعية والمدير الشرفي للمعرض: «آمل أن يخرج الناس بعد زيارة المعرض ولديهم صورة أكثر وضوحاً عن الحقيقة الكامنة وراء اسم الصحفي» ثم يضيف: «الأمر الذي يدهشني هو أنني طوال عشرين عاماً قضيتها كرئيس للتحرير لم ألتق مراسلاً أو مصوراً رفض أو تردد في السفر إلى المناطق الخطرة»! هذا الاصرار على اقتحام مناطق الخطر للفوز بتغطية حية مميزة أو التقاط صورة تطيّرها وكالات الأنباء لتنشرها صحف العالم في اليوم التالي تجده لدى جميع العاملين في هذا المجال إلى الدرجة التي تجعل التنافس على الفوز بفرصة كهذه مشروعاً بين العاشقين لمهنتهم منهم. عام 1986 خلال زيارة لبعض المؤسسات الصحفية والتلفزيونية بالولايات المتحدة الأمريكية، وفي مدينة نيويورك أُتيح لي حضور تنفيذ نشرة الأخبار الصباحية في محطة «ان.بي.سي» التي تحظى باهتمام قطاع واسع من المشاهدين كونها تبث من إحدى الشبكتين الرئيسيتين المتنافستين هناك. داخل غرفة الأخبار كانت هناك صورة معلقة لشاب في العقد الثالث من العمر وقد وضعت أسفلها ورقة صغيرة كتب عليها رقم 57 إذا لم تخني الذاكرة. لفتت الصورة انتباهي وانتباه الزميل الذي كان معي فنقلنا تساؤلنا إلى الفتاة التي كانت ترافقنا من الشبكة لتجيبنا بأنها صورة مصورهم الذي اختطف في بيروت وهو يقوم بتغطية أخبار الحرب اللبنانية، أما الرقم المكتوب تحتها فهو عدد الأيام التي مضت على اختطافه ويقوم زملاؤه بتغييره كل يوم. أضافت المرافقة أن عدداً من المصورين يعدّون أنفسهم للسفر كي يحلوا محلّه رغم المخاطر التي قد يتعرضون لها والغموض الذي مازال يحيط باختفاء زميلهم. عندما سألت المصور الفوتوغرافي الأمريكي «ويليام فولي» الحائز على جائزة بوليتزر في مجال التصوير في مواقع الأحداث لتغطيته مذابح صبرا وشاتيلا عن تجربته التي تنقّل خلالها في 47 دولة مغطياً العديد من الأحداث وما تعرض له من مخاطر أجابني مبتسماً: لقد تعرضت لمواقف كثيرة كان بيني وبين الموت فيها مسافة قصيرة، وأعتقد بأنني كنت محظوظاً لأنني لا أزال على قيد الحياة حتى الآن، أما الضرب والخطف والاحتجاز ومصادرة الأفلام والمواقف العدائية من بعض مواطني الدول التي غطيت أحداثاً فيها فقد كانت ضريبة دفعتها بنفس راضية في سبيل تحقيق طموحي، ولو سألتني عن مدى استعدادي للتعرض للمواقف نفسها مرة أخرى لأحقق ما حققت لما ترددت في الموافقة، فمتعة الخروج بسبق يضعك على الصفحات الأولى من صحف العالم وأغلفة المجلات كفيلة بجعلك تنسى كل ما عانيت في سبيل الحصول عليه. هكذا نعرف الفرق بين أن يكون الصحفي عاشقا لمهنته أو موظفاً يأتي لمقر صحيفته ويغادره في مواعيد الحضور والانصراف ليوقّع ويستلم راتبه آخر الشهر. ولا يمكن لنا أن نغادر هذا الموضوع دون أن نحيي تلك النخبة من الاعلاميين الذين يقذفون بأنفسهم هذه الأيام في أتون المعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني الأعزل ضد المدافع والدبابات وطائرات الاباتشي والإف 16 الاسرائيلية ناقلين إلى العالم أجمع الصورة الحقيقية لبشاعة العدوان الذي يشنه الصهاينة على الأطفال والنساء والشيوخ في منازلهم، إذ لولاهم لما شاهد العالم مناظر استشهاد محمد الدرة وإيمان حجو وغيرهما من شهداء الانتفاضة ضحايا النازيين الجدد. الفرق الوحيد هنا هو أن الاعلاميين العرب أهداف مستباحة لنيران العدو الصهيوني لا يرف له جفن وهو يوجه بنادق جنوده إليهم كما حدث لمراسلة قناة أبوظبي ليلى عودة، أما غيرهم من المراسلين الأجانب فيسارع إلى الاعتذار لهم شخصياً وللجهات التي يعملون لحسابها كما حدث لمصورة وكالة اسوشيتدبرس الأمريكية يولا موناخوف عندما تعرضت لاطلاق نار من جندي اسرائيلي في بيت لحم في شهر نوفمبر من العام الماضي، بل إن الجيش الاسرائيلي قام باجراء تحقيق واسع النطاق نادراً ما يجريه في حالات كهذه أشرف عليه رئيس الأركان شاؤول موفاز شخصياً، وكان عذره في نهاية التحقيق أقبح من ذنبه عندما قال إن الجندي الاسرائيلي إنما أطلق النار على المصورة بطريق الخطأ حيث كان يعتقد أنه يطلق النار على متظاهر فلسطيني، وقد كان الأجدر به أن يقول إنه كان يعتقد أنه يطلق النار على مصورة أو مصور فلسطيني، ونحمد الله أن المصور طلال ابو رحمة مسجِّل لحظة استشهاد محمد الدرة كان ولا يزال يتمتع بحماية القناة الفرنسية الثانية التي يعمل لها وإلاّ لما رأيناه على قيد الحياة حتى اليوم. وهذا دليل آخر على أن العالم يكيل بمكيالين نصيبنا منهما دائماً الكفة الخاسرة.