تتوضح رؤية المشهد السياسي العام لحقيقة الصراع العربي ـ الصهيوني بشكل عام من خلال خصوصية الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني وما أحاط به على كافة المستويات ومن خلال البنية، التي ميزت هذا الصراع وظهور نمطية جديدة قديمة، حيث كان البعض يستبعد التصعيد الصهيوني ولا يراه ـ بواقعه الراهن ـ محتمل الحدوث بشكل من الأشكال، وهذا الرأي مبني أولا وآخرا على صيغتين الأولى عاطفية متخوفة والثانية ترى المشهد العام، من خلال وقائعه السياسية والحالة التي وصل إليها العالم حيث تقوم حسابات أي حرب على مسائل داخلية وخارجية تدخل ضمنها حالة الرأي العام وتقبله لهذه الحرب اضافة إلى زج دولة ما فيها لا يكون لها ناقة أو جمل إذا ما تدخلت، وأقصد بالرأي العام هنا الغربي تحديدا. وفي خلفية ما يحدث بالأراضي الفلسطينية يبدو ان سؤال الحرب الشاملة أصبح مشروعا ومن حق أي مراقب أن يتساءل حوله، رغم ان المحللين الغربيين كانوا يستبعدون مثل هذه الحرب ليس لان حكومة شارون لا ترغب بها بل لان حساباتهم ومصالحهم تستبعد ذلك، حيث يرون ان الاستقرار في الشرق الأوسط سيؤثر على دولهم بشكل ايجابي بيد ان ارييل شارون يأتي إلى السلطة في اسرائيل ليقدم نفسه رئيسا لوزراء حكومته وارهابيا باعتراف محاكم دولته، بل لعله اعتمد ومنذ حملته الانتخابية على اللعب بعواطف الشارع الاسرائيلي والغربي على أسطورة تحقيق الأمن الاسرائيلي من خلال قمع الانتفاضة إلى ان وصل إلى طائرات «اف 16» الأمريكية الصنع والتي لا تدخل إلا في أعنف الحروب وهو إذ يقوم على ذلك يطرح على أرض الواقع معطيات جديدة ليس آخرها انه رجل ارهابي بل يقدم تحديه المعلن إلى العالم ليكتشف ردة الفعل في قراءة جديدة يريد تكريسها. هذه القراءة تنبع بداية من معطى جديد أخذ يتداول مؤخرا، ففي بداية الانتفاضة استنكر العرب والغرب الطلقات المطاطية المؤذية إذا ما أصابت مناطق حساسة في جسم الإنسان ثم استنكر العالم الرصاص الحي وبعد ذلك القصف بالمدافع وبعده بطائرات الأباتشي أما الآن فالعالم يستنكر القصف بطائرات «اف 16» وكأنه قد أباح طائرات الأباتشي وأباح غيرها من الأسلحة التي لا تستخدم إلا في المعارك العالمية. وبات البعض يضرب أمثلة على ارهاب شارون بالقول ان الولايات المتحدة رفضت استخدام طائرات «اف 16» ويفرحون بهذا الرفض علما ان فيه اباحة لاستخدام كل الأسلحة التي استخدمها شارون سابقا. وتبدو المسألة ان الولايات المتحدة ستبيح استخدام هذا النوع من الطائرات المقاتلة إذا ما استخدم شارون السلاح النووي في قمع الانتفاضة!! ويأتي السؤال الأكثر جدية ما الذي يريده شارون من وراء هذا التصعيد؟! فعلى المستوى الواقعي يبدو ان الانتفاضة المقاومة قد جعلت شارون يخسر رهان الأمن الذي رفعه إلى السلطة لان العمليات الاستشهادية كسرت حصار الأمن الاسرائيلي وجعلت أبوابه ونوافذه مفتوحة على مصرعيها وأكدت ذلك العملية الاستشهادية الأخيرة التي نفذها محمود مرمش في نتانيا مما جعل وزير الخارجية الاسرائيلي يعترف بالقول «ان اسرائيل الآن تعيش أصعب وضع لها منذ عام 1948» وبالطبع فان هذا الوضع القلق الذي تعيشه اسرائيل الآن هو نتيجة طبيعية لقوة الانتفاضة وفعاليتها ضد العدو الصهيوني، والتجربة التي يريد شارون أن يطرحها ويجعلها واقعا هي قمع الانتفاضة بطريقته التي أصبحت مكشوفة وكأنه يريد تطبيق هذا الاسلوب كما طبقته الحكومات السابقة في لبنان حينما كانت المقاومة الوطنية اللبنانية تنفذ عملياتها وترد طائرات اسرائيل بقصف البنية التحتية اللبنانية أو المدنيين، والمعروف ان جميع الحكومات فشلت في اسكات المقاومة فهل يتوقع بهذه الطريقة أن تخمد الانتفاضة التي تزداد تأججا. إن ما نتوقعه في حسابات شارون الجديدة هو جر المنطقة إلى حرب شاملة وتهديداته الدائمة لسوريا ولبنان تدلل على نوعية هذه الحسابات ويأتي أسلوبه في محاولة قمع الانتفاضة المباشرة كورقة امتحان لجميع الأطراف بما فيها الطرفين الأوروبي والأمريكي، فالمعروف في قاعدة الحرب الجديدة ان الطرف الرابح فيها هو خاسر بالتأكيد، ولكن تقديم ورقة الامتحان الشارونية هي محاولة لأخذ الضوء الأخضر من الولايات المتحدة أولا وأوروبا ثانيا ولا يمانع ان أخذها علانية، فالولايات المتحدة تنظر لمثل هذه الحرب من خلال مصالحها ولكن يبدو انها لن تمانع اذا لم تتأثر هذه المصالح، فدخول اسرائيل في حرب هي وبشكل حتمي مصاريف اضافية للخزينة الامريكية تصب في حضن اسرائيل وتزيد من التزاماتها تجاه الدولة العبرية وبالمقابل ستجعل من هذا الواقع وقائع اخرى تترتب على ادارة البيت الابيض وتجعلها تتساءل هل سيؤيد الشارع الامريكي هذه الحرب وما هي مصلحته بذلك وستكون الاجابة المباشرة بالنفي، فالرئيس الامريكي جورج بوش مازال يحاول جاهدا ان يجذب نصف المجتمع الامريكي الذي لم يقف الى جانبه ويحافظ على النصف الآخر، والتقارير تشير الى ان الغالبية العظمى من الشارع الامريكي بدأت تبدي نفورها من الدعم الامريكي اللامحدود لاسرائيل، ولكي لا نفرح كثيرا فليس هذا النفور محبة بالعرب، بل محبة بالمصلحة الداخلية للمواطن الامريكي ذاته. لذلك سيكون الضوء الأخضر الامريكي لشارون كي يشن حربا شاملة ليس واردا الا في حالة واحدة وهذه الحالة ستعتبر مأساة عربية اذا ما حصلت ولكنها ـ للأسف مطروحة الآن في حسابات الحكومة الاسرائيلية من خلال ما يمكن ان نستنتجه من طبيعة الحرب الشارونية ضد الفلسطينيين ونستطيع قراءتها بهذه الحملة الشرسة التي يقودها ضد الانتفاضة، فشارون لا يهدف فقط لقمع الانتفاضة رغم انها تشكل هاجسا لديه ولدى حكومته بل هو يقدم ورقة امتحان واضحة للعرب يريد من خلالها امتحانا عربيا على تصرفاته كي يقوم بخطوته التالية وهي حربه الشاملة وهذا الامتحان أجاب عنه الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى بقوله: «صدقيتنا في الميزان والمطلوب ان ندافع ليس فقط عن هذه الصدقية لكن عن التحدي المصوب للهوية وللنظام العربي كله». من الواضح ان التهديد الاسرائيلي ليس موجها فقط الى الانتفاضة بل هو موجه الى العرب جميعا والمطلوب اجابة عربية حقيقية عن هذا التهديد لأن الصمت العربي سيجعل الولايات المتحدة تعطي ضوءها الاخضر لاسرائيل، فإذا لم تتأثر المصالح الامريكية من هذه الحرب المتوقعة لماذا لا تقوم اسرائيل بشنها خاصة انها قد تستفيد أكثر مما تخسر، وبالطبع فإن هذه الاستفادة منوطة بشكل الرد العربي الذي يجب ان يكون قبلها لا أثناءها أو بعدها. بل لعل الولايات المتحدة اذا ما شعرت برد عربي يؤثر على مصالحها فإنها ستحاول أولا مجابهة هذا الرد واذا لم تستطع. فإنها بلا شك ستقف امام طموح اسرائيل للحفاظ على مصالحها والتي تبدو الآن بأشد الحاجة اليها خاصة بعدما اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش عن ازمة طاقة حقيقية تعيشها الولايات المتحدة فكيف سيكون شكل هذه الازمة اذا تداخلت مع مقاطعة عربية شاملة؟ لذلك نجد ان واشنطن ما زالت تقف موقف المتفرج الذي يحاول ان يضبط ايقاع المشهد كما يرغب وهذا ليس بالجديد على السياسة الامريكية التي يتبعها جورج بوش ويؤجل التدخل باستمرار الا لمصلحة اسرائيل كما فعل الفيتو الامريكي وسيفعل ضد اي قرار يتخذه مجلس الامن لحماية الفلسطينيين. ورغم ان الحقائق اصبحت بين يدي الادارة الامريكية من خلال خبرائها وتقرير لجنة ميتشيل لكنها لا تريد ان تقدم اية مبادرة بعكس ما كان يفعل الرئيس السابق بيل كلينتون ولعلها هنا تعرف تماما ان اية مبادرة في الظروف الحالية لن يكون لها جدوى، خاصة اذا اعتمدت على المنطق الذي لا يفهمه شارون، اما تقديم مبادرة ترضي شارون فهذا غير وارد لان السلطة الفلسطينية لا تستطيع ان تقدم اية تنازلات امام هدير الانتفاضة وأي تنازل سيكون مصيره الرفض كون الانتفاضة قد فرضت واقعا نضاليا جديدا على السلطة الفلسطينية وعلى مسيرة المفاوضات المتعثرة اصلا. وفي مواجهة كل ذلك نستطيع ان نقرأ بوضوح ان الملف الخطير الذي يحيط بالوطن العربي هو ملف العدوان القائم على فلسطين والمتوقع على سوريا ولبنان وهذا ما نوه اليه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بقوله عن اسرائيل: اذا حاولت تغيير قواعد اللعبة فنحن سنعيد القواعد التي نريدها لهذه اللعبة، والزمن معنا» والواقع ان العرب يمتلكون قواعد اللعبة اذا ما ارادوا ذلك ولكن تبدو اسباب التردد مجهولة الى الآن وخافتة احيانا كما جاءت في بيان لجنة المتابعة التي اكدت وقف جميع الاتصالات السياسية العربية مع الحكومة الاسرائيلية طالما استمر العدوان والحصار على الشعب الفلسطيني، كما اكدت التضامن العربي الشامل مع سوريا ولبنان في مواجهة الاعتداءات ضدهما فهل تكفي هذه التأكيدات لمواجهة العنصرية الاسرائيلية؟! بواقعية نستطيع ان نقول ان هذه التأكيدات ضرورية ولكن هل هناك آلية عمل لتنفيذ هذه التأكيدات ولماذا لا تكون هذه التأكيدات مرتبطة بآلية جدية ومراقبة مستمرة لتنفيذها بل لماذا لا ترتبط المقاطعة العربية لاسرائيل بالحل النهائي الذي يجب الآن ان يفرضه العرب لانهم في الواقع يستطيعون ذلك ولان الانتفاضة قد فرضت خريطة جديدة للسياسة التفاوضية البعيدة جدا عن شارون وحكومته التي باتت الآن بأشد الحاجة للتدخل الامريكي بعد ان فشلت فشلها الواضح في ترسيخ مفاهيمها على ارض الواقع.. وبالنتيجة لن تستطيع ترسيخ تلك المفاهيم ولكن بشروط مرتبطة أولا وآخرا بالعرب وما يمكن ان يلعبوه على الساحة الداخلية والخارجية وما يمكن ان يمارسوه من ضغط على الولايات المتحدة وأوروبا التي مازالت تقف موقفاً سلبياًَ من العرب كونها تشعر انها غير مطالبة بموقف يخدم العرب ما دام العرب انفسهم لم يمارسوا اية ضغوطات عليها بل ينتظرون ان تبادر وهذا بالطبع لا يمكن ان يحدث مادامت اوروبا لم تتأثر ايضا بواقع ما يجري. صحيح ان اوروبا قد أبدت بعض اسفها وصحيح انها رفضت الاسلوب الذي تمارسه اسرائيل في قمع الانتفاضة ولكن الاصح انها لم تقم بأي موقف تجاه اسرائيل رغم انها تستطيع ان تفعل ذلك وهي في هذا المكان كالولايات المتحدة ومواقفها السلبية، ولكن كيف نطالب نحن العرب الولايات المتحدة وأوروبا بمواقف حاسمة ومازال البعض من العرب لم يتخذ هذه المواقف فهل ندعوا أوروبا والولايات المتحدة ان تقلع شوكنا بأيديهم؟!»، لعل هذا الطلب هو الاشد بؤسا اذا ما كان، والاشد قوة بالمقابل ان يدرك العرب ان اسرائيل تريد ان تفعل ذلك وتريد من العرب الاستسلام والضعف، وبالمقابل فالقوة الحقيقية هي وقوف العرب ضد الاشكال الجديدة التي تمارسها الصهيونية مهددة كياننا ووجودنا لان قمع الانتفاضة هو الخسارة الاخيرة للعرب بعد كل الخسائر ودعمها والوقوف بحزم امام العدوان الصهيوني هو الموقف المقاوم والحقيقي، ولا يمكن لهذا الموقف ان يتجلى إلا بتنسيق عربي اعمق واكبر مما هو في الواقع الذي يفرض علينا ان نكون أو لا نكون وكينونتنا تبدأ عمليا بدعم حقيقي للانتفاضة وفي كل المجالات وبالوقوف وقفة واضحة للضغط على الولايات المتحدة وأوروبا وهذا الضغط بالتأكيد يمتلكه العرب فهل سيمارسوه. ـ كاتب فلسطيني