آن الأوان لقيام جبهة عريضة جديدة تمثل شعوب جنوب العالم الفقيرة. فالتذمر العام يتصاعد في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية بينما تشتد العزلة الدولية على الولايات المتحدة حتى من حلفائها المقربين في منظومة الدول ذات التوجه الرأسمالي. لقد استنفدت منظمة «عدم الانحياز» اغراضها كتجمع لدول العالم الثالث بزوال الظرف الدولي الذي ادى الى قيامها اصلا. لقد خرجت المنظمة الى حيز الوجود في مطلع عقد الستينيات في ظروف الحرب الباردة بين معسكرين كانا يتقاسمان حكم العالم: المعسكر الاشتراكي الشرقي وفي مقدمته الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الرأسمالي الغربي ورأس حربته الولايات المتحدة. ومع بروز زعامات راديكالية في العالم الثالث مثل جوزيف تيتو في اوروبا وجمال عبدالناصر في العالم العربي وجواهر لال نهرو في آسيا وكوامي نكردما في افريقيا نشأت الحاجة الى تنظيم لا ينتمي الى اي من المعسكرين الكبيرين ليفرض نفسه على الساحة الدولية كممثل لمصالح الشعوب «غير المنحازة». وطوال عهد الحرب الباردة والى ان تلاشى المعسكر الاشتراكي السوفييتي عند مطلع التسعينيات ظلت استراتيجية «حركة عدم الانحياز» تعتمد اساسا على استثمار تناقضات المصالح بين المعسكرين واستغلال تنافسهما. وبطبيعة الحال كان مصير هذه الاستراتيجية هو السقوط الحتمي بعد انهيار احد هذين المعسكرين وبالتالي انفراد معسكر واحد بالساحة الدولية في عهد ما بعد نهاية الحرب الباردة. مع ذلك فإن الظرف الدولي السائد حاليا بعد انقضاء عقد على زوال المعسكر السوفييتي وبروز ما اطلق عليه «النظام الدولي الجديد» كناية عن انفراد الولايات المتحدة كأكبر قلعة للنظام الرأسمالي بزعامة العالم يختلف عما قبله. فعالم ما بعد الحرب الباردة لم يعد عالم قطب واحد: لقد صار عالما متعدد الاقطاب. وهكذا نشأ ظرف جديد مرة اخرى يسمح لدول جنوب العالم باعادة قيام تجمع يمثل مصالح شعوبها على انقاض حركة عدم الانحياز التي لم تعد طبيعة تكوينها واستراتيجيتها متلائمة مع الظرف الجديد. فالصراع الدولي الراهن لم يعد تنافسا بين ايديولوجيتين عالميتين وانما صراعات مصالح بين عدد من الاقطاب اكثرها اعضاء داخل المنظومة الرأسمالية نفسها. فيديل كاسترو الزعيم الكوبي المخضرم يبدو انه اول من التقط صورة الصراع الجديد.. وأول زعيم في العالم الثالث يتفاعل مع هذه الصورة في هذا الوقت المبكر. وجولته الاخيرة التي امتدت من ماليزيا الى سوريا عبر ايران تعتبر اول تحرك من نوعه في العالم الثالث في عهد ما بعد نهاية الحرب الباردة لشرح التغيير المتفاعل في الساحة الدولية وبالتالي التبشير بضرورة قيام جبهة جديدة لشعوب جنوب العالم الفقير لخلافة حركة عدم الانحياز. وقد تجاوبت مع كوبا كاسترو حتى الآن بالاضافة الى ماليزيا وسوريا وايران كل من فنزويلا والعراق.. وبالطبع روسيا والصين. ورغم ان الدولتين الاخيرتين لا تنتميان الى جنوب العالم الا انهما تتشاركان مع دول العالم الثالث في التصدي لخطر العولمة الرأسمالية الذي يتمثل في السياسات الدولية للولايات المتحدة. ان خطر التمدد الاحتكاري الامريكي في ميدان التجارة العالمية يتهدد ايضا دول الاتحاد الاوروبي واليابان. والدعوة التي اطلقها كاسترو نحو تكوين جبهة عريضة للعالم الثالث تأخذ في الاعتبار كل هذه التناقضات، وبالتالي تتهيأ لها فرصة للنجاح.