قبل شهرين، طالبنا مع غيرنا بمقاطعة اللجنة الأمريكية المشبوهة التي أرسلها الكونجرس الأمريكي لبحث الموقف من الحريات الدينية في مصر. وقلنا إن عدم استقبالها في مصر هو الموقف الصحيح، أما وقد جاءت فلا بد من مقاطعتها شعبيا ورسميا. وبالفعل تمت مقاطعة اللجنة شعبيا، وأعلنت الأحزاب السياسية والهيئات الثقافية والدينية إدانتها للجنة التى يرأسها يهودي والتي جاءت على أرضية أن هناك اضطهادا دينيا لأقباط مصر وأنها مخولة من حكام العالم في أمريكا بالتحقيق فيه. لكن اعتبارات أخرى أملت موقفا رسميا وافق على التعامل مع اللجنة المشبوهة باعتبار أن ليس عندنا ما نخفيه أو نخشاه، وان الحقيقة ستفرض نفسها مهما كانت أهداف اللجنة. وهكذا استقبل المسئولون في الدولة أعضاء اللجنة، واستقبلها أيضا شيخ الأزهر والبابا شنوده، وسمح لها بالتجول في البلاد والذهاب إلى مناطق شهدت اضطرابات حاول البعض وصفها بالطائفية كما حدث في الكشح في صعيد مصر اللجنة المشبوهة عادت من مهمتها بعد أن زارت السعودية وإسرائيل أيضا تمهيدا لاعداد تقرير شامل. ولم تضيع اللجنة وقتا في إطار توجهاتها الحقيقية فإنتهزت فرصة زيارة مبارك لواشنطن في أوائل الشهر الماضي لترفع للرئيس الأمريكي تقريرا سريعا طالبت فيه بإثارة موضوع تحسين أوضاع الحريات الدينية في مصر أثناء المباحثات، ورافق ذلك حملة واسعة شاركت فيها وسائل الاعلام الأمريكية الخاضعة للنفوذ الصهيوني تتحدث عن (مذابح) مزعومة للأقباط في مصر، واضطهاد واسع لهم، وتطالب بفرض الحصار وقطع المعونات عن مصر وتشديد الضغوط لتغيير سياساتها في هذا المجال. وقضى الرئيس مبارك اثناء زيارته لأمريكا على هذه المزاعم، وتلقى تأكيدات ببقاء المعونات العسكرية والإقتصادية المقررة لمصر، وظن المسئولون المصريون أن الملف أغلق مؤقتا خاصة أن تقرير اللجنة عن زيارتها للمنطقة يفترض أن ينشر في العام المقبل، لكن المفاجأة جاءت من أن اللجنة نشرت تقريرها عن أوضاع الحريات الدينية في العالم في العام الماضي، فإذا بها تدرج نتائج زيارتها لمصر التي تمت في مارس من هذا العام، مشيرة إلى أن توقيت الرحلة كان سببا في صعوبة إدراج نتائجها ضمن التقرير الأصلي، لذلك تم تضمينه في ملحق خاص يعد بمثابة جزء من التقرير. وكما هو متوقع جاء التقرير لائقا بلجنة مشبوهة أدت مهمة سيئة السمعة. فقد شدد التقرير على وجود مشاكل تفرقة حادة ضد عدد من المجموعات وتحديدا من (المسيحيين والبهائيين) وفي مناورة مكشوفة قال التقرير إن قبضة الحكومة على كل المؤسسات الدينية الإسلامية ليبدو الأمر وكأنه يدافع عن حرية كل المؤسسات وكل الأديان. التقرير المشبوه كان متوقعا، ولكن الفضيحة الحقيقية جاءت في إغفال الحديث عن الأوضاع في إسرائيل التي زارتها اللجنة تحت زعم (إن الموقف في إسرائيل والأراضي المحتلة يمثل وضعا معقدا يتطلب عملا إضافيا!!) وتصورت اللجنة المشبوهة أنها بذلك تغطي انحيازها السافر، وتخلت عن مسئولية كشف جرائم النازية الجديدة في إسرائيل.. من اغتصاب للأرض وإهدار للحقوق العربية وقتل الأبرياء وتمييز عنصري لا يرى العالم له مثيلا، وحرب إبادة على شعب أعزل لا يطلب إلا العدل والإستقلال!! العضو المسلم في اللجنة المشبوهة هو الدكتورة ليلى مارياتي اضطرت لكتابة تقرير مفصل باسمها بثته على الإنترنت تفضح فيه جرائم إسرائيل وتكشف العدالة الأمريكية المزعومة وتؤكد أن الحديث الأمريكي عن الحريات وحقوق الإنسان ليس إلا ورقة سياسية تستخدمها واشنطن عندما تريد وتغمض عيونها عنها عندما يتوافق ذلك مع المصالح الأمريكية أو الأهداف الصهيونية! تقرير اللجنة المشبوهة عن الحريات الدينية في المنطقة بعيون صهيونية، يتوافق مع تقرير آخر أصبح محور الحركة السياسية في المنطقة، وهو تقرير لجنة ميتشيل الدولية التي شكلها الرئيس الأمريكي السابق لتقصى الأحوال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي انتهت إلى عدة توصيات أهمها وقف العنف، ووقف الاستيطان، ثم العمل بعد ذلك على استئناف المباحثات السياسية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. التقرير محدود القيمة ولا يقدم تصورا لأي حلول للمشاكل الرئيسية، وتقتصر مهمته على تهدئه الاوضاع.. وفي أحسن الأحوال العودة إلى ما كانت عليه قبل إندلاع الإنتفاضة في 28 سبتمبر الماضي. ومع ذلك فقد وافقت عليه السلطة الفلسطينية باعتباره وسيلة لوقف حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وعلى أساس أن وقف الاستيطان قد يكون المبرر الذي يقنع الشارع الفلسطيني بوقف الإنتفاضة. ولأن التقرير لا يضع أي آليات لتنفيذ توصياته، ولأن موقف أمريكا هو الذي سيقرر إذا كانت التوصيات ستوضع موضع التطبيق أم لا.. فقد انتظر الجميع رأي واشنطن التي تلكأت قليلا وانتظرت حتى بلغ الجنون الإسرائيلي حد استخدام طائرات الفانتوم الأمريكية المقاتلة ضد المدنيين الفلسطينيين، ومع تصاعد التهديدات الإسرائيلية بحرب شاملة في المنطقة والضغوط العربية لعمل شيء ينقذ الموقف، ويهدئ الرأي العام العربي الغاضب، ويقلل احتمالات الإنفجار التي تخشاها الأنظمة العربية الصديقة لواشنطن والتي لن تنجو منها المصالح الأمريكية ذاتها.. مع ذلك كله أعلنت أمريكا موقفها من تقرير لجنة ميتشيل. ورغم أن الموقف الذي أعلنه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول تبنى التقرير واعتبره أساسا صالحا للخروج من الأزمة الحالية وأعلن عن تعيين مساعد لوزير الخارجية الأمريكي يتولى تحديد الآليات اللازمة لتنفيذه. إلا أن الموقف الأمريكي لم يخرج من دائرة الإنحياز التام لإسرائيل، وهكذا تجاهل الوزير الأمريكي ما أكده التقرير من التلازم بين وقف العنف ووقف الاستيطان بشكل كامل. وتهرب الوزير الأمريكي من حسم الموضوع بما يعطي الإنطباع بأن أمريكا توافق على رؤية إسرائيل التي تقول إنها توافق على عدم بناء مستوطنات جديدة وعدم مصادرة أراض فلسطينية إضافية، ولكنها تصر على حق البناء ضمن المستوطنات الموجودة وفقا لنظرية النمو الطبيعي. وإنحياز أمريكا لهذا الموقف الإسرائيلي ينسف تقرير لجنة ميتشيل من أساسه، وكذلك سيكون الموقف لو تبنت واشنطن ما بدأ يتردد عن استعداد إسرائيل لوقف الاستيطان (بما فيه ما تسميه النمو الطبيعي داخل المستوطنات الحالية) لفترة محدودة فقط (من شهرين إلى ثلاثة أشهر) وهي الفترة التي يطلبها شارون كمهلة بعد أن تتوقف الإنتفاضة لكي يقرر ما إذا كانت السلطة الفلسطينية أهل للثقة فيتعامل معها أم لا!! الموقف الأمريكي من تقرير ميتشيل لا يبشر بخير ولا يبرر الآمال الكبيرة التي يبنيها البعض عليه لإنقاذ الموقف في المنطقة. ولذلك كان طبيعيا أن يبني عليه شارون موقفا إسرائيليا مراوغا يقبل وقف إطلاق النار ويرفض وقف الاستيطان أي أن المحصلة النهائية للموقف الأمريكي الإسرائيلي أن تتوقف الإنتفاضة، ويمر الفلسطينيون بعدها بفترة اختبار لمدى جديتهم في إنهاء المقاومة الوطنية، ويستأنفون التنسيق الأمني مع الإسرائيليين ويعيدون اعتقال أبطال المقاومة بحجة أنهم يمارسون الإرهاب ويسكتون الإعلام الفلسطيني (وربما العربي) عن مهاجمة حكومة السفاحين في تل أبيب. وبعدها فقط يحصلون على شهادة حسن السير والسلوك التي تؤهلهم للبحث في إنهاء الحصار المفروض عليهم والحصول على بعض الأموال المجمدة لدى إسرائيل وتحسين الأحوال المعيشية المتردية في الضفة والقطاع. أما قضايا الحل النهائي فمؤجلة، ولن يتم البحث فيها إلا إذا أنكرت إرادة الشعب الفلسطيني، ورضخت قيادته لتصور حكومة شارون الذي يضع القدس خارج التفاوض، ويحتفظ بالمستوطنات ونصف الضفة ويستولى على المياه ويسيطر على الحدود، ويحيل أرض السلطة الفلسطينية إلى (معازل ) يتم فيها وضع الفلسطينيين تحت الحراسة كما كان الحال مع السود في جنوب أفريقيا. الموقف الأمريكي من تقرير لجنة ميتشيل كان الأساس الذي استند إليه شارون في بناء موقفه المراوغ. وإذا أضفنا لهذا الموقف التقرير الآخر الذي أشرنا إليه (تقرير الحريات الدينية) لاتضحت لنا صورة مخالفة للصورة التي يحاول البعض ترويجها عن إيجابية التحرك الأمريكي الأخير. الصورة الحقيقية تقول إن العرب لدى الإدارة الأمريكية ليسوا إلا متهمين بالإرهاب.. كما في فلسطين، أو متهمين بالعنصرية كما يحاولون تشويه مصر ودول عربية أخرى.. أما إسرائيل فهي واحة الديمقراطية وعنوان المساواة حتى وهي تستخدم الفانتوم الأمريكية في قصف الأطفال، وحتى وهي تهدد بحرق لبنان وضرب دمشق ونسف السد العالي. الصورة الحقيقية للموقف الأمريكي تقول إنها توافق على رؤية شارون بأن القوة الإسرائيلية وحدها التي ستحسم الموقف، وأن السلام لن يكون إلا بالشروط الإسرائيلية وبالاستسلام العربي الكامل لها. الصورة الحقيقية للموقف الأمريكي أن الفلسطينيين هم المسئولون عن المذبحة التي يواجهونها، وليس أمامهم من حل إلا وقف الإنتفاضة دون قيد أو شرط، وإلا فالمذبحة ستستمر، وحرب الإبادة لن تتوقف. الصورة الحقيقية للموقف الأمريكي تقول إنها لم تعد تلقى بالرد الفعل العربي، وأنها ستواصل الضغط على الأنظمة العربية (بما فيها السلطة الفلسطينية) التي تدفع الآن ثمن تهاونها في بناء القوة العربية القادرة على حماية الأمن القومي العربي، والتي ظنت أنها بالتنازلات المجانية وبإعطاء أوراق اللعبة لأمريكا قد ضمنت الأمن والامان، وفتحت الباب لتسوية أسمتها ذات يوم (سلام الشجعان) فإذا بها تكتشف أن المطروح هو سلام الخراف مع الجزار!! وسوف تكون جريمة فادحة أن يتم بيع هذه الرؤية المخادعة وتسويقها عربيا مهما كانت الظروف، ومهما كانت حاجة الأنظمة العربية إلى ما يخرجها من الورطة التي تجد نفسها فيها بين عدوان إسرائيل، وتواطؤ أمريكا، وغضب الشارع الذي قد ينفجر في أي لحظة. إن الموافقة على إيقاف الإنتفاضة قبل الوصول إلى أهدافها سيكون كارثة وإذا كان التآمر لإنهاء الإنتفاضة الأولى قد أوصلنا إلى أوسلو، فالمؤامرة لإنهاء الإنتفاضة الثانية بلا ثمن سياسي يضع الفلسطينيين على أبواب الحل العادل والاستقلال الحقيقي.. سوف يكون إهدارا لكل تضحيات الشعب الفلسطيني، وسوف يضع المنطقة كلها على أبواب الجحيم، لأنه سيفتح شهية النازيين الجدد في إسرائيل للمزيد من العدوان والتوسع مادامت القوة قد أثبتت أنها وحدها سيدة الموقف. ان استمرار الإنتفاضة ضرورة حياة ليس للفلسطينيين فقط ولكن لكل العرب. ودعم الإنتفاضة هو المسئولية التي لا ينبغي أن يتهرب منها أحد مهما كانت الضغوط الأمريكية. وإذا كان حجم التضحيات الفلسطينية كبيرا فإن ما تحقق أيضا يستحق التضحية، فقد عادت القضية كما ينبغي أن تكون..قضية شعب يقاتل الاحتلال ويطلب الاستقلال، ولن يستطيع أحد مهما كان أن يعيدها إلى السجن الذي وضعتها فيه اتفاقيات أوسلو المشئومة حين حولت القضية إلى قضية أرض متنازع عليها، وأعطت المشروعية لاغتصاب إسرائيل لما يقرب من 80% من أرض فلسطين التاريخية وتركت مستقبل الجزء الباقي (بما فيها القدس العربية) لمفاوضات بائسة تحت رعاية أمريكا المنحازة لإسرائيل من البداية للنهاية. فكانت النتيجة سنوات من التفاوض بلا نتيجة بالمزيد من المستوطنات، والمزيد من التنازلات العربية، والمزيد من الهوان الفلسطيني. إن الخديعة التي تدبر ينبغي ألا تمر، وينبغي أن ندرك أن حكومة شارون في ورطة، وأن الحل الأمريكي الذي يطلب رأس الإنتفاضة بلا مقابل هو مكافأة للسفاحين على المجزرة التي ارتكبوها في حق الشعب الفلسطيني، وهو بداية لا نهاية لعدوان سيستمر ويتوسع.. من فلسطين إلى لبنان وسوريا إلى باقي الوطن العربي. إن أمريكا تتحرك لدعم حكومة شارون، ولإنقاذ المصالح الأمريكية في المنطقة، وهي تريد إنهاء (العنف ) أي ضرب الإنتفاضة. لا كسبيل لحل عادل، وإنما لتهدئة الأوضاع كما تأمل. لكي يتم تأجيل الملف الفلسطيني وإتاحة الفرصة للتعامل مع الملف العراقي الذي تعتبره واشنطن أولويتها الأولى في طريقها لترتيب الأوضاع في المنطقة باعتبار أن العراق هو الخطر على العرب وليس شارون وحكومة السفاحين في تل أبيب ؟ ولن تغير أمريكا سياستها بالنوايا الحسنة أو بالدعوات الصالحات من العرب، وإنما بموقف جاد تدرك فيه أن مصالحها مهددة، وأن إنحيازها لإسرائيل له ثمن لابد أن تدفعه وفي يد العرب رغم ضعفهم أن يجعلوا الثمن كبيرا. ونعود لما قلناه مرارا عن ضرورة تنظيم المقاطعة الشعبية للمنتجات الأمريكية التي نستطيع الاستغناء عنها، وما أكثرها، وما أشد تأثيرها على المواطن الأمريكي. ونعود للتساؤل : أما آن الأوان لإلغاء أي صفقة سلاح عربية مع أمريكا، نعرف جميعا أنها لن تحقق شيئا للأمن العربي وتحقق الكثير لصناعة السلاح الأمريكي؟ و.. إذا كان سلاح البترول مستبعد من المعركة لأسباب كثيرة. فما الذي يمنع من قرار عربي بفرض دولار أو نصف دولار على كل برميل بترول من أجل إنقاذ القدس ودعم المقاومة حتى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي إنها لن تكون مجرد مشروع للشعب العربي في فلسطين، ولكنها ستكون رسالة للعالم كله بأن العرب مازالوا على قيد الحياة! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية