بيئة العمل في أغلب مؤسساتنا ودوائرنا وهيئاتنا المليئة بحشود من الموظفين والموظفات، تعاني كما هو واضح من سلبيات عديدة، ليست البيروقراطية سببها الوحيد، ومع ذلك فإننا لا ننكر المحاولات الواضحة للدفع بهذه البيئة نحو الخلاص من سلبياتها وصولا لموظفين منتجين، وأداءات ذات مردود مفيد ونافع للمجتمع والأفراد. دعوني اعترف بأنني اتلقى يومياً هواتف عديدة من موظفين وموظفات ممن يندرجون تحت مسمى (صغار الموظفين)، هؤلاء تمثل لهم بيئة العمل في مؤسساتنا المختلفة تحدياً كبيراً، لا يتمثل هذا التحدي في نوعية التخصصات ومستوى الشهادات، واتقان التكنولوجيا و... الخ، وانما ينصب التحدي باتجاه الضغوطات النفسية والاحباطات والعراقيل وأحياناً كثيرة الحروب النفسية التي تحول بعض المؤسسات إلى بيئات طاردة للموظف، أو معرقلة لابداعاته وعطاءاته المختزنة في داخله! ودائما ما يوجد شخص أو أشخاص يحولون العمل ولمصلحتهم الشخصية إلى بيئة احباط ونكد لبقية زملائهم خاصة حينما تشاء الظروف وتضعهم في موضع الرئاسة، فيعتقدون ان الموظفين في المؤسسة أو القسم أو الدائرة أو المدرسة أو الشركة هم في الحقيقة عمال يشتغلون (عندهم) مقابل أجر هم يدفعونه لهم، متناسين تماماً حقيقة أن هؤلاء الموظفين زملاء يعملون (معهم) وليس (عندهم) وان اختلاف المسميات الوظيفية هو من ضرورات نظام العمل وتوزيع الصلاحيات وضبط النظام لا أكثر. واذا فتشت عن السبب في الطريقة التي يتصرف بها بعض هؤلاء الرؤساء أو المدراء لوجدت قاسماً مشتركاً بينهم هو ان اغلبهم قد وصل إلى مركزه بأساليب ملتوية، فبعضهم جاء بالواسطة وبعضهم جاء راكباً على أكتاف الآخرين، وبعضهم سرق انجازات زملائه ونجاحاتهم فجيرها لصالحه، وبعضهم وصل بالتملق والنفاق والهدايا والعلاقات الشخصية، وأغلب هؤلاء للاسف غير جديرين بمراكزهم التي يتربعون فيها! وبما أن هذا الرئيس أو المدير (بما فيهم مدير المدرسة والشركة والمستشفى و...) قد وصل بالخلطة السريّة (الواسطة أو الفساد الاداري) فمن الطبيعي أن يجد نفسه في مكان فضفاض جداً، ومع واقع وأشخاص ربما أفضل منه وأجدر بالمكان والقيادة، ولأنه يعرف نفسه جيداً ويعرف حدوده وقدراته وامكانياته الضعيفة، ومن ثم يعرف امكانيات الآخرين، فإنه سرعان ما ينكشف امام نفسه وأمام هؤلاء الآخرين، فماذا يفعل؟ يداري فشله وضعفه باختلاق قوة وهمية يؤسسها عن طريق زرع الخوف في نفوس موظفيه، وهو يزرع فيهم الخوف منه ومن صلاحياته (الجبارة) ومما يمكن أن يفعله بهم إذا خالفوه أو عارضوه أو وقفوا في وجهه، واظهروا عيوبه وسيئاته، وإلى جانب الترهيب يؤسس لنفسه (طابوراً خامساً) من الاعوان والجواسيس ينقلون له كل صغيرة وكبيرة تحدث في المؤسسة ليس رغبة في التحسين وتلمس الاخطاء، وانما لمعرفة ما يدور حوله والبطش بمن يقف ضده قولاً وفعلاً، ومن ثم يفتعل مع من يعارضه ولا يعجبه مواقف تنتهي عادة بتأنيب المعارض أمام زملائه وربما التلفظ عليه بما لا يتناسب وحقوق الزمالة.. وهكذا ليستمر فإنه يجب أن يطرد الأفضل أو يقمعهم أو يخيفهم أو يبعدهم نهائياً أو يحولهم إلى موظفين صامتين محايدين!! وهكذا يبقى على رأس مؤسسته، وبينما المؤسسة تتهاوى وتنهار يبتسم هو معتقداً بأنه قادر على ضبط الأمور والخيوط كلها في يده، فهنيئا له بخيوط العنكبوت!