حتى قبل ان يشرع «الوسيط» الامريكي الجديد في مهمته «لوضع حد لأعمال العنف» أعلن شارون مقدما ان اسرائيل لن تجمد عمليات البناء في المستوطنات اليهودية بحال من الاحوال كما ورد في توصيات لجنة ميتشيل. لكن هذا الرفض الاسرائيلي قد يكون ضمن حلقات السيناريو المتفق عليه بين واشنطن والحكومة الاسرائيلية على النحو التالي: يطلب «الوسيط» الامريكي وليم بيرنز من القيادة الفلسطينية اعتقال الكوادر القيادية والناشطة من اعضاء حركتي «حماس» و«الجهاد الاسلامي» وغيرهم من ناشطي الانتفاضة البارزين على سبيل «منع الارهاب» كما ورد في تقرير ميتشيل. ترفض القيادة الفلسطينية الاستجابة الا اذا وافق الجانب الاسرائيلي على تجميد بناء المستوطنات وفق ما اشترط التقرير، يتظاهر بيرنز بأنه سيسعى «لاقناع» الاسرائيليين بذلك . يتمنع شارون، او بالاحرى يتظاهر بالتمع. يدخل الرئيس بوش او وزير الخارجية باول على الخط لممارسة ضغط على الجنرال شارون. ومع تعدد الطلعات والنزلات الحكومية والاتصالات على خلفية زخم اعلامي تنحصر قضية الشعب الفلسطيني في اطار «منع الارهاب مقابل منع توسيع المستوطنات». وأخيرا يوافق شارون على تجميد الاستيطان بالتالي يأمر عرفات بانهاء المقاومة فتتوقف الانتفاضة ليشرع الوسيط الامريكي بعد ذلك في ترتيب لعبة المفاوضات القديمة العقيمة الى ما لا نهاية. بالطبع لا يتضمن السيناريو الامريكي الاسرائيلي آلية موثوقا بها لمراقبة ما اذا كانت عمليات البناء في المستوطنات قد توقفت فعلا. ولكن هل يسير تنفيذ السيناريو بالسلاسة المتصورة امريكيا واسرائيليا؟ اغلب الظن لا. الانتفاضة لن تتوقف اذا كان ثمن 500 شهيد وثمانية شهور متصلة من المصابرة الجهادية الدموية هو وعد بتجميد عملية الاستيطان.. اي بقاء المستوطنات القائمة فعلا على الارض الفلسطينية كما هي عليه مع بقاء الاحتلال الاسرائيلي. ان السيناريو يقوم اساسا على فرضية ان القيادة الفلسطينية الرسمية بزعامة عرفات هي بالقوة والسطوة والنفوذ التي كانت عليها قبل الانتفاضة.. وهي في الحقيقة فرضية صارت في ذمة التاريخ. ان الطاقم القيادي للسلطة الفلسطينية ليس في موقف يمكنه من وقف المقاومة الشعبية. ذلك ان ادارة هذه المقاومة وتسييرها وتوجيهها هو الآن في يد هيئة قيادية تنتمي الى الشارع رأسا وتتكون من عناصر تمثل فصائل نضالية ابرزها «فتح» و«حماس» و«الجهاد». ازاء هذا الوضع الجديد فإن اصدار امر بوقف الانتفاضة غير قابل للتصور اطلاقا لدى القيادة الفلسطينية التقليدية فاصدار امر كهذا سوف يعني انها كما لو ارادت لنفسها الانتحار. وهو في كل الاحوال امر لن يطاع اذا صدر بالفعل. لقد احدثت الانتفاضة تغييرا كاسحا وجذريا في المشهد الفلسطيني، بحيث انتقل التحكم في الاحداث والتطورات من ايدي رجال مثل: نبيل شعث وصائب عريقات وغيرهما من الشخصيات التقليدية الى ايدي رجال مثل مروان البرغوثي. وعبدالعزيز الرنتيسي وحتى هذه الشخصيات التقليدية ادركت التغير في اتجاه الريح وتفاعلت مع هذا التغير. وسوف نرى في الايام المقبلة وليم بيرنز في مسلسل تحركاته المكوكية يخادع الفلسطينيين والعرب كسلفه دينيس روس. لكن الانتفاضة سوف تبقى مشتعلة لأجل غير مسمى.