في اللحظات المصيرية التي يعيشها الوطن يشتعل التاريخ بكل تفاصيله وتضاريسه.. وتنفجر البحار والرمال.. وتتكسر الأزمنة.. وتدوس الأيام على بعضها.. ويصبح المنطق عاجزا عن العمل.. وتصبح الحسابات كلها خاطئة.. وتختل كل المعادلات.. ولا يبقى للمؤرخين من عمل سوى الصمت والأحزان.. وقد كانت لحظة تفجير الشهيد (مصطفى حافظ) بعبوة إسرائيلية ناسفة في (يوليو) 1956 في (غزة) لحظة من هذه اللحظات المصيرية التي لا ينساها أحد في مصر وفلسطين.. فعندما كتبت في الأسبوع الماضي عن عملية اغتياله اكتشفت أن هذه اللحظة لا تزال دافئة في شرايين الذين عرفوه والذين سمعوا عنه.. الذين عاشروه والذين عرفوا قصته لأول مرة مما كتبت.. ولم أصدق نفسي وأنا أتلقى كل هذا الكم الهائل من الرسائل والبرقيات والمكالمات الهاتفية.. لم أصدق كل هذه الكراهية للعدو الاسرائيلي.. فلا المفاوضات غيرت ما في القلوب.. ولا طائرات (إف 16) وأحذية جيش الدفاع الاسرائيلي القاسية والثقيلة ساعدت على ذلك.. ووجدت أن من الضروري التوقف عند بعض ما وصلني استكمالا للقصة واستيعابا لها وتصحيحا لبعض ما جاء فيها.. فالاعتراف بالخطأ فضيلة. برومانسية شعرية تكتب (منال عبدالحميد المصري) وهي طالبة في (الثانوية العامة) أمها مصرية وأبوها أردني وجدها فلسطيني: (أن قصة مصطفى حافظ هي قصة شهيرة متوارثة في عائلتي.. ورثناها أبا عن جد.. وصورته معلقة في بيوتنا وقلوبنا. . وكلما سمعنا عن عملية فدائية ضد الاسرائيليين في الأراضي المحتلة قرأنا على روحه الطاهرة الفاتحة.. فهو أول من جند الفدائيين ودربهم على الاستشهاد.. وأول من أثبت أن طريقته في المقاومة هي الطريقة المثالية في التعامل مع الاسرائيليين.. وأول من أفقد الاسرائيليين أعصابهم وجعلهم لا ينامون.. وقد نفذت عائلتي وصية جدي المولود في (القدس) والذي كان واحدا من رجال (مصطفى حافظ).. وأصبح على كل فرد في العائلة أن يطلق اسمه على أول مولود ذكر ينجبه.. حتى أصبحت عائلتنا توصف بين الجيران بامبراطورية مصطفى حافظ). ولم أصدق أن (سوسن عبدالحميد السهتان) الطالبة في جامعة (أسيوط) هي التي كتبت الرسالة التي وصلتني بالفاكس.. فهي موهبة ادبية شديدة الحساسية.. خاصة عندما تصف (مصطفى حافظ) بأنه لم يمت بل يرقد في عيون مصر.. مثل جملة موسيقية في (نوتة) موسيقى (سيد درويش).. مثل زهرة (قطن) مطبوعة على جلباب (كستور) فوق جسد فلاحة مصرية.. مثل عصفور الحرية الذي يسكن على ضفاف النهر الخالد ويقاسمنا كل صباح طعام الإفطار ويشارك في عناوين الصحف التي تصف عمليات الاستشهاد الفلسطينية ضد مجنون جديدة أضيف الى عنبر المجانين في التاريخ الذي يرقد فيه (نيرون) و(هتلر) و (موسوليني) و(مناحم بيجن) هو (إرييل شارون). وكان طبيعيا أن أهتز عاطفيا وأنا أتلقى مكالمة السيدة (درية يوسف) زوجة الشهيد (مصطفى حافظ).. لقد أحسست أني أسمع صوتا يحمل أصالة أوراق البردي و(جمال عبدالناصر) والشيخ (محمد رفعت).. وقد وجدتها حريصة على أن تشكرني.. والحقيقة أنه كان علي أنا أن أشكرها.. بل وجدت نفسي أقدم لها واجب العزاء بعد نحو 45 سنة على رحيل زوجها.. كأنه مات بالأمس.. وعرفت منها أنها تزوجته في عام 1946 وأنجبت منه ولدا وأربع بنات.. (محمد) الوزير المفوض في سفارتنا في (باريس) وسبق أن خدم في (السلطة الفلسطينية) وأصيب بنزيف في المخ هناك وأصر (ياسر عرفات) على أن يعالج على حساب الفلسطينيين إكراما لأبيه.. و(هدى) وكانت طبيبة متزوجة من الدكتور (مصطفى أبو النصر) وكيل كلية (الطب) وقد رحلت منذ 6 سنوات.. و(سهير) وهي متزوجة من مراسل (الأهرام) في باريس (شريف الشوباشي).. و(ناهد) وهي مهاجرة مقيمة في الولايات المتحدة.. و(مي) وهي تعيش مع أمها في حي (المعادي) وكان عمرها 6 شهور يوم استشهد والدها.. فقد كانوا جميعا في (غزة) في ذلك اليوم البعيد. وتصحح السيدة (درية يوسف) أن أحدا لم يكتب عن (مصطفى حافظ) كما قلت.. فقد نشر عنه أكثر من كتاب بأقلام فلسطينية ولا تزال هذه الأقلام تتذكره وتروي عنه ما يزيد عن الأساطير.. وهو ما أكده لي أيضا الأستاذ (محمد حسنين هيكل) في مكالمة تليفونية جرت بيننا في صباح اليوم التالي لعودته من الخارج بعد رحلة استمرت عدة أسابيع.. فليس صحيحا ما ذكر في كتب المخابرات الاسرائيلية: أن قنبلة تأميم (قناة السويس) التي فجرها (جمال عبدالناصر) بعد استشهاد (مصطفى حافظ) بأيام قد جعلت مصر تنساه.. بل أن الكتابة عنه كانت في ذلك الوقت جزءا من المزاج الوطني العام.. وهو ما أكدته كذلك أستاذة جامعية اكتفت بأن تذكر في رسالتها الشفهية التي تركتها عبر الهاتف ان اسمها (الدكتورة سعدية) وقالت: (إن عندها كتابا عن (مصطفى حافظ) وأنها سترسل نسخة منه لي.. فشكرا لها مقدما على ذلك.. وشكرا لمؤلف الكتاب الذي لم أعرف اسمه بعد. ويروي الكاتب الفلسطيني (عبدالقادر ياسين) لزوجة مصطفى حافظ: (إن الاسرائيليين عندما احتلوا (غزة) بعد حرب (يونيو) وجدوا صورة زوجها معلقة في البيوت والمقاهي والمحلات التجارية وأنهم كان يخلعونها من أماكنها ويرمونها على الأرض ويدوسون عليها.. وكان الفلسطينيون يجمعونها ويلفونها في أكياس كأنها (كفن) ويدفنونها تحت الارض وهم يقرآون على روح صاحبها الفاتحة.. فهم لا يدفنون صورة وإنما يدفنون كائنا حيا). وتقول الزوجة: (إنهم قبل حادث تفجير زوجها كانوا يتعرضون الى حملات نفسية مكثفة تشنها الإذاعة الاسرائيلية التي كانت لا تكف يوميا عن التهديد بنسف بيتهم وخطف أطفالهم وإثارة الرعب في حياتهم.. فالشعار الذي رفعته اسرائيل في تلك الأيام هو (مصطفى حافظ مطلوب حيا أو ميتا). وكان آخر ما قاله (مصطفى حافظ) قبل أن يموت هو: (محمد برئ).. و(محمد) هو (محمد طلالقة) العميل المزدوج الذي حمل دون أن يدري الكتاب الملغوم الذي انفجر فيه.. وكان الكتاب مرسل الى (لطفي العكاوي) الذي أوحى الاسرائيليون الى (طلالقة) بأنه يعمل معهم ويحمل شفرة جديدة للاتصال بينه وبينهم.. وكان (العكاوي) هو واحد من أقرب مساعدي (مصطفى حافظ) إليه.. وهو ما جعله يقع في الشرك ويفتح الطرد ويفقد حياته. وقد أرسل لي (محمد بشير لطفي العكاوي) ابن (لطفي العكاوي) وهو مدير علاقات عامة في مكتب للاستشارات الفنية رسالة طويلة يشرح لي فيها ملابسات ما جرى.. وقد وصف (مصطفى حافظ) بأنه (رجل من طراز نادر قلما يجود الزمن بمثله).. واستطرد: ولقد (أسندت اليه القيادة المصرية مهمة تكوين مجموعات فدائية للرد على اعتداءات اسرائيل المتكررة (وهي الاعتداءات التي كان يقودها إرييل شارون بنفسه في الفرقة (101) التي كونها بنفسه).. وكان الهدف وراء عمليات الفدائيين العرب هو زرع الرعب في نفوس الاسرائيليين وإظهار اسرائيل بمظهر الدولة غير الآمنة لدفع اليهود للهجرة منها).. (وقد استجاب الشارع الفلسطيني الى الانضمام الى المجموعات الفدائية وأقبل على التدريب الشاق الذي وفرت له العسكرية المصرية خيرة رجالها وخبراتها. (وقد كان لطفي العكاوي أحد رجال ادارة الحاكم العسكري العام في قطاع (غزة) فأسندت اليه مهمة مساعدة (مصطفى حافظ) في اختيار الفدائيين اعتمادا على خبرته في المنطقة الجنوبية من (فلسطين).. ونجح الفدائيون بعملياتهم الجريئة في إثارة الرعب في قلب العدو الصهيوني وتراجعت معدلات هجرته في مناطق (بئر سبع) و(النقب) وباقي المناطق الجنوبية المتاخمة لقطاع (غزة).. ومناطق وسط (فلسطين) التي كانت أكثر المناطق أمنا. وقام مصطفى حافظ ورجاله ببث العملاء والعيون بين قبائل البدو المقيمة في هذه المناطق لرصد تحركات العدو وكشف تجهيزاته ونواياه.. وهو ما جعل المخابرات الاسرائيلية تراقب من جانبها هذه القبائل أيضا.. وكان من بينهم (طلالقة) وهو بدوي كان مجندا من المخابرات ا لمصرية واكتشفت اسرائيل أمره وسعت الى استقطابه وتجنيده.. ومن هنا كان (طلالقة) ينقل ما يراه في الاراضي المحتلة أو ما يزوده به الاسرائيليون الى العقيد (مصطفى حافظ) الذي كان يزوده بدوره بما كان عليه نقله من أخبار وتقارير عن الأوضاع في (غزة) الى الاسرائيليين. وقد كان من الصعب على الاسرائيليين اختراق الجدار الأمني المحيط بـ(مصطفى حافظ) فاتجهت أنظار (الموساد) الى من يحيطون به وكان منهم (العكاوي) وقد نجحت في الحصول على (كارت شخصي) له.. وعمدت الى تسريب معلومات الى (طلالقة) بأن (العكاوي) على اتصال بهم ويعمل معهم.. و حيث أنهم بصدد تغيير الشفرة السرية التي تجري بموجبها الرسائل المتبادلة بين (العكاوي) و(الموساد) فإن على (طلالقة) أن يحمل كتابا يحوي الشفرة الجديدة.. وزيادة في طمأنة (طلالقة) قدموا له (نصف جنيه) مصري وأفهموه بأن النصف الآخر موجود مع العكاوي. كان الكتاب الذي قدمه الاسرائيليون الى (طلالقة) كتابا عاديا قام هو بنفسه بتقليب صفحاته للتأكد منه ثم تركه برهة من الوقت قام خلالها أحد ضباط (الموساد) بتغيير الكتاب بنسخة أخرى مشابهة تماما لكنها مفرغة من الداخل ومحشوة بعبوة ناسفة وجهاز تفجير.. ووضعت هذه النسخة ـ القنبلة من الكتاب داخل (مغلف) وفي نفس المكان الذي تركه فيه (طلالقة). في رحلة عودته الى (غزة) كان الشك يملأ صدر (طلالقة).. وراح يسأل نفسه: كيف يكون (العكاوي) أقرب المساعدين الى (مصطفى حافظ) عميلا إسرائيليا؟.. وفكر في أن يذهب أولا الى (العكاوي) لتسليمه ما يحمل.. وبالفعل ذهب الى منزله فوجده قد تركه الى منزل جديد لا يعرف عنوانه.. واحتار ما الذي يفعل؟.. ثم حزم أمره وتوجه الى منطقة (الرمال) في (غزة).. مقر (مصطفى حافظ) حيث كان جالسا مع أركانه.. وقد بادر (طلالقة) قائلا: (ماذا أحضرت لنا معك يا طلالقة؟).. فأجاب: (إنني أريد لطفي العكاوي).. فقال (مصطفى حافظ): (اليوم الخميس و(لطفي) ذهب الى (العريش) لزيارة أهله هناك.. ماذا معك؟.. قال (طلالقة): (يا بك الاسرائيليون أفهموني أن (لطفي العكاوي) يعمل معهم وأنا أحمل إليه آخر دفعة مالية له وأحمل كتابا يحوي شفرة التراسل الجديدة بينه وبينهم).. في ذلك الوقت بالتحديد كان (العكاوي) على بعد 4 متر فقط من مقر القيادة يشتري بعض لوازمه قبل زيارة أهله في (العريش) بعد ساعة. (جن جنون) مصطفى حافظ واستبد به الغضب أن يكون أحد رجاله عميلا للموساد وأصر على أن يفتح الكتاب بنفسه ويحقق في الموضوع برمته.. وتطوع بعض الموجودين بأن يفتحوا الطرد بدلا منه لكنه لم يستجب.. وكان الانفجار مدويا سمعه (العكاوي) في مكانه وسابق الريح حتى وصل قبل وصول سيارة (الاسعاف) واحتضن الشهيد بين يديه وحمله الى المستشفى (المعمداني) أو المستشفى (الانجليزي) كما كان يسمى بين يديه حيث عاش لساعات معدودة ثم أسلم بعدها الروح.. وما بين الإفاقة والإغماءة قال: (يا لطفي أنا ظلمتك.. الموتة دي كانت لك). أما شائعة أن (العكاوي) كان يتاجر في المخدرات فكان مصدرها المخابرات الاسرائيلية التي حاولت تشويه كل رموز العمل الفدائي.. وقد برأت لجنة التحقيق العليا التي أمر بتشكيلها مجلس قيادة الثورة (العكاوي).. وردت اعتباره.. ورقي الى رتبة أعلى.. وتولى مسئولية المباحث الجنائية في (غزة). ويكفي أن نذكر أنه في خلال احتلال الاسرائيليين لغزة في عام 1956 كان بيت (العكاوي) هو أول بيت داهموه وتعرضت زوجته وأمه وأبنائه الى الضرب بالبنادق ومحاولة الطعن بالحراب حتى يعترفوا على مكانه وقد كان في ذلك الوقت بالقرب من منطقة (الملاحات) حيث أسرته القوات الفرنسية في (بورسعيد) وأفرج عنه بعد ذلك. قام (العكاوي) بعديد من الأعمال التي لم يكشف عنها النقاب وعلى رأسها تصفية عملاء اسرائيل في (غزة).. وخلال حرب (يونيو) كان مديرا للسجون العامة في (غزة).. وكان مكلفا بالدفاع عن (سرايا) الحكومة.. وقام بأسر 3 طيارين اسرائيليين سقطت طائرتهم قبالة سواحل (غزة) في أول أيام الحرب.. ووضعهم في زنزانة خاصة بسجن (غزة) المركزي الذي تعرض لهجمات الطيران الاسرائيلي يومي 6 و7 يونيو ومن ثم انسحب الى سيناء وظل بها 3 شهور وصل بعدها الى (القنطرة) سيرا على الأقدام مع عدد من كبار ضباط الجيش المصري.. ولكنه عاد من جديد الى (العريش) بعد أن حاصرتهم طائرات (الهليكوبتر) الاسرائيلية وهناك رفض تسليم نفسه وعاش 15 يوما على شجرة كثيفة الأغصان في منزل أحد أخواله.. ثم زورت له بطاقة هوية وهربوه الى الأردن عبر اسرائيل وسلم نفسه للسلطات التي رحلته في اليوم نفسه الى (القاهرة). وبينما كانت اسرائيل تستمع الى اذاعة (صوت العرب) أذيع نبأ عودة (لطفي العكاوي) سالما الى (مصر) ونزل الخبر كالصاعقة عليها بعد أن جابوا (سيناء) طولا وعرضا باحثين عنه.. وبعد ذلك قام الرجل بأعمال ساعدت على تنفيذ أعمال بطولية ضد العدو عبر (الأردن) وخليج (العقبة). هذا هو (لطفي العكاوي) الذي يشرفني أن يكون أبي.. ويشرفني أن يقترن تاريخه بتاريخ رجل نحتفظ بصورة كبيرة له ببيتنا وقلوبنا هو مصطفى حافظ). انتهت رسالة (محمد بشير لطفي العكاوي).. وإنتهى المقال.