اذا لاطف شاب فتاة في مكان ما يصبح الأمر معاكسة، واذا طلب جار في عمارة ما من أولاد جيرانه عدم اللعب في ممرات العمارة، يصبح الأمر تدخلاً في حرية الحركة داخل العمارة، واذا قال الموظف لزميله في العمل لا تركن سيارتك خلف سيارتي لأنها تعرقل السير، يكون الأمر ضيق أخلاق وقلة كرم، واذا طلبت قهوتك الخاصة من الكافيتريا ولم تطلب فنجاناً آخر لعامل في آخر الصالة سيتهمك ذو نميمة بالبخل، واذا اصطدمت بكرسي أثناء سيرك في بهو مزدحم ولم تعتذر للكرسي، ربما يستدعيك مجلس الأمن لأنك قليل التهذيب! لكن اذا نفثت دخان سيجارتك الرخيصة في وجه زميلك لن يزعجه الدخان، بل سيقول لك: رش سجاير، يعني ضيفّني سيجارة، واذا شاهدت زميلاً خرج لتوه من زكام أقعده لمدة اسبوع في المنزل سارع الى معانقتك لأنه طوّل الغياب ولن يمانع ان يهديك فيروسه مشفوعا بعطسة أو سعال يفجرهما في وجهك، واذا زارك ضيف دون موعد مسبق وسرق من وقتك ساعتين يسألك فيهما عن الصحة وعن شئون العمل وعن أخبار عامة لن تستطيع اخباره أنه يؤخرك في انجاز وظيفتك لأنك ستطلب له قهوة وتستمع إليه بوجه باش فإكرام الضيف واجب والقيام بالواجب لن يمنعك من ايصاله إلى «سيتي سنتر» لتزجية الوقت. من قََلَبَ تلك القوانين وجعل القاعدة استثناء والاستثناء قاعدة؟ ومن أعطى لنفسه الحق في السطو على المُسَلَمات وتسمية الأفعال بأسماء ترضيه ولا ترضيك ومن ذلك الشخص أو هؤلاء الذين لا يقيمون وزناً للاخر ولا يرون في المرآة إلا صورهم، ولا يبصرون في الحياة الا مصالحهم ولا يعرفون من اللياقة إلا حدود تصرفاتهم؟ انهم نحن.. نحن الذين نسكت عن العيوب ونغض الطرف عن الشوائب، ولا نعمل ابداً على تغيير الأخطاء، فنركن إلى الصمت غير آبهين بما يفعله الآخر في حياتنا، لأننا نقوم بنفس الدور معهم حتى تصبح تلك الأخطاء قواعد متعارف عليها اجتماعياً ولا يصح بعدها تغييرها، لأنها أصبحت عرفاً أو تقليداً اجتماعياً مألوفاً، وترانا ندفع ثمن مئات الأخطاء ونساهم في تكريس مئات غيرها، لذلك ليس منطقياً (في هذه الحالة) أن نتأفف لأن شخصاً خارجاً من النقاهة المرضية يعانقنا، أو مدخناً شرهاً يسوّد رئاتنا بسجائره أو زائراً يعطل أعمالنا بثرثرته وعلينا في ذات الجانب أن نقرَّ بكل ما يحدث من باب اللياقة العامة، وفي المقابل لا أحد يسأل كم من الأذى النفسي أو البدني يتحمله المرء حتى لا يُغضب من حوله، وكم من رصيد سلبي ننقله إلى الأبناء ونعلمه لهم لا شعورياً فتبدو الأمور وكأنها طبيعية وكأن هذا السلوك هو الصحيح، واذا جرب واحدنا أن يغير قواعد اللعبة بحيث ان يفعل الآتي: ان ينتظر امام الموقف حتى يتكرم الآخر بتحريك سيارته ليستطيع المرور، وأن يتوخى الحذر في مكان يعج بالنساء، وأن يشجع ابناء الجيران على لعب الكرة في ممرات العمارة وحبذا لو خبطوا شباك غرفة نومه! وان يطلب سطلاً من القهوة لكل زملائه في العمل، وأن يعتذر من جميع الكراسي الفارغة التي يصطدم بها.. ولو لم يفعل ذلك لحقق رقماً قياسياً في عدد الأشخاص الذين لا يألون جهداً في معاداته ونبذه من محيطه. E.mail.H-S-D@MaktooB.COM