اذا حاولت ان تبعثر ذاكرتك، تبحث ما تبقى فيها من صور وذكريات، ستجد فيها صفحات قديمة أو مجرد بقايا سطور أكل الزمن أطرافها، ستلمح في هذه الذاكرة صدى صور كانت في يوم ما واضحة، قوية، لا تصدق ـ أنت ـ انها قد تمتسح وتغيب، يبقى منها الضباب في زاوية منسية من ذاكرتك التي تتساقط وتموت خلاياها دون أن تشعرك، وقبل أن تنتبه إليها. أحاول أن امارس التذكّر، أبحث عن قضايا قديمة من خلال الأرشيف المحفوظ، في حالات البحث أعثر على بعض ما أريد، وأجد أشياء كثيرة في الطريق. تنسيني هذه التي لا أبحث عنها، الهدف الذي فتحت من أجله الملفات القديمة. لم أذهب بعيدا في البحث، إن ابحاري قريب، بدأته في الثمانينيات، انها فترة على مرمى حجر، يكاد عقلك يحفظ تفاصيلها، كيف كانت لياليها وماذا حملت من أحداث أين ذهبّت ومن صاحبّت، حتى تكاد تتذكر ما أنجزت وأحلامك التي تولدت أو تلاشت فيها. هكذا عقلك يصوّرها لك، انها قريبة جداً وكل ما فيها محفوظ، واقع الارشيف كذّب عندي هذه الصورة، هناك أشياء قليلة تسكن الذاكرة، والكثير ضاع. إيقاع العصر لا يسمح للذاكرة ان تتوسع، يفرض عليها الانكماش، يمسح ما فيها من قديم جميل، ويمنحها في أحيان كثيرة: لاشيء مجرد حيّز من فراغ! في الجرائد القديمة التي صدرت سنوات الثمانينيات، تبرز أسماء تمارس الكتابة كل يوم او كل اسبوع بكلمات وقضايا قوية، طرح ساخن أو ايقاع متوسط أو مهادن ممل، وشخصيات تتكرر صورها وتصريحاتها تجدها منتشرة في المناسبات وغير المناسبات، اذا لم تجدها على ورق «الاتحاد» فانها في «البيان» أو «الفجر» او عند «الخليج» و«الوحدة» أو في «الأزمنة العربية» أو حتى على صفحات الجرائد الاجنبية، فالاعلام محتاج لوجودها، فهي الحدث، تصنعه أو تصرّح به. نجوم في الفن والتجارة والرياضة والسياسة والادب والعلوم والعسكرية والطب والدين في كل المعارف والمجالات. هؤلاء المشاهير الذين كنّا نلتقيهم وشكلوا جانبا من ثقافتنا أو عبروا عن همومنا أو حاولوا ان يضعوا فينا الفرح والبهجة، هؤلاء غابوا أو انسحب كثير منهم، ولم يعد لهم وجود في حياتنا، ولم نشعر بهذا الغياب، كأننا لم نعرفهم، غابت صورهم وأسماؤهم عن ذاكرتنا. بعض هؤلاء الذين غابوا عنا، قابلتهم على ورق الارشيف، هذه تسجيلات «الشعب» اعلاناتها لا تتوقف إذا لم تكن على الصفحة الأولى مطلع كل شهر، فهي اسبوعية بالداخل، وقبلها كانت تسجيلات «العروبة» و«برج العقرب» واشهر الجميع «هدى فون» و«زينل فون»، كلها غابت ولم يعد لها ذكر سوى الصدى، إذا مر رنين تاريخ الغناء على المسامع، هذه التسجيلات قدمت أهم الأسماء بهذا المجال في ذلك العصر. أين هم اولئك النجوم: سالم سيف، مروان الخطيب، حارب حسن وسعيد الشراري وعبدالله حميد، والاستاذ الفنان علي بوالروغة، أين رحل هؤلاء؟ حتى الشعراء الذين سخّرت لهم مساحة كبيرة وثابتة في برامج وصفحات وسائل الاعلام المختلفة، رحلوا عن الساحة بعد أن كنت تسمع أصواتهم تتواصل لا ينقطع منها الابداع، كل سبت عبدالله بالحب على صفحة الشعر الشعبي بـ «البيان»، كذلك يتواصل معها محمد بن سوقات والكوس وفتاة الخليج والنداوي والمياسة وعيون النرجسي وانغام الخلود، ونقرأ مطلع الشهر اعلانات أشرطة حمد بن رباع الكعبي، وكل اربعاء يكون المشاهدون على موعد في تلفزيون أبوظبي في مجلس شعراء العين، مع كميدش بن نعمان ومحمد بن راشد الشامسي. صمتوا جميعا وغاب ابداعهم عنّا. وحال الذين أغنوا مسرح الامارات وأثروا الدراما المحلية طوال ذلك الدهر الذي هو من أجمل وأهم المراحل في تاريخ هذه التجربة، حالهم مثل ربعهم، رحلوا أيضا بصمت، وتحولت وجوههم عندنا مجرد بقايا قد يكون لها مكان في الزاوية المنسية من الذاكرة، رحل البطل «شحفان» سلطان الشاعر، و«الكراني» محمد راشد، واحمد منقوش وسعيد العفصان ورزيقة الطارش، و«الحيري» وسعيد النعيمي وموزة المزروعي ومنى حمزة، و«دبدوب» جاسم عبيد، و«بابا» ياسين وأمينة القفاص وريحانة التمري. كذلك الوجوه التي كنا نشاهدها أو الأسماء التي نقرأ لها مثل: مريم أحمد وعايدة حمزة ووضحة وصالح بوحميد وسعيد الهش وعبيد كعبوس ومحمد عمر، وعلي جاسم صاحب «شئون وشجون» وصالحة ذيبان ومريم المري وهالة حميد معتوق وأسماء أدبية كان لها حضور بارز كأمينة بوشهاب وسلمى مطر سيف وناصر جبران وأحمد راشد سعيدان. وشخصية ثقافية يسكن اسمها وجدان ذلك الجيل الذي تفتح وابدع في تلك الفترة، شخصية الشيخ أحمد بن محمد القاسمي الذي منحها الفرصة والثقة والدعم من خلال الدائرة الثقافية بالشارقة. جميعهم رحلوا، لم يعد لهم وجود في الاعلام. الاعلام الذي كانوا نجومه والذي قام عليهم وبهم سنوات طويلة. فمن نسي منهم صاحبه؟! خسارة أن نفقد أمثال هؤلاء، ان تكون نهايتهم النسيان. نحتاج أن نجدد ما تبقى من الذاكرة، نبحث عنهم، نعيدهم إلينا، نعود لهم، نسأل عنهم، نبحث عن ذلك الزمن الجميل القريب الذي أصبح بعيداً. ما أشد وجع النسيان عند الاثنين: المتذكر وذلك المنسي. shmitrif@hotmail.com