على ما يبدو أن التاريخ يعيد نفسه عند الآخرين على شكل مهزلة في أغلب الأحيان، لكنه يكرر نفسه عندنا على شكل مسلمات وحقائق رغم ما يحمله من مآس وويلات على شعوبنا العربية بشكل عام، وعلى الشعب الفلسطيني بشكل خاص. حيث أننا إذا ما راجعنا تاريخ الصراع مع الحركة الصهيونية ومن بعدها اسرائيل، نجده مليء بالثنائيات المتكررة أو المتطابقة إذا شئت، بفارق الأزمنة، التي تفصلنا عن تاريخ مضى أو انقضى والأمر سيان. فقد جاءت المبادرة المصرية الأردنية، لتعيد إلى الأذهان مرة أخرى ما حصل في 2 سبتمبر 1936 م عندما اتخذ مجلس الوزراء البريطاني قراراً، ينطوي على إنهاء مهمة نوري السعيد بالوساطة، على اثر لقاء حصل بين بن جوريون مع أورمسبي جور، الذي قال فيه بن جوريون، أن استرضاء العرب سيدفع الحركة الصهيونية إلى تغيير تحالفاتها، والمساعدة على إقصاء بريطانيا من المنطقة. ومن بعد ذلك عمدت الحكومة البريطانية سياسة إقصاء ثورة الـ 36 أولاً، ومن ثم يأتي الحل السياسي على أرضية جديدة ومتباينة. وبعد ذلك وكخطوة إجرائية سريعة أبلغت وزارة المستعمرات بإيقاف تدخل الدول العربية في شئون فلسطين، على أن تبقى أبوابها مفتوحة للهجرة اليهودية، وذلك حتى ينتهي الإضراب، وتتوقف الاضطرابات، فيصبح بالإمكان مناقشة المسألة. وبعد هذا القرار، بدأت حملة عسكرية محمومة في فلسطين، بقيادة الجنرال ديل، لكن الثورة في تلك المرحلة صمدت، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بها. ومع ذلك فقد دخلت المواجهة مرحلة جديدة وصعبة، وأصبحت تستلزم قرارات حاسمة. والى جانب الترهيب بالسحق العسكري، الذي تجمعت أدواته في فلسطين، بقرار حازم من حكومة لندن، مهدت له بالتلويح بإعلان الحكم العسكري، عمدت إلى سياسة ترغيب عبر تفعيل الوساطة العربية مجدداً. وتحت ضغط الواقع الذي تشكل متمثلاً بالمشكلات الاقتصادية من جهة، والوساطة العربية من جهة أخرى، حيث رضخت اللجنة العربية العليا إلى مطالب الحكومة البريطانية بإيقاف الإضراب وتجميد الثورة، من دون أن تقدم هذه الأخيرة أية تنازلات ملموسة. وبررت اللجنة العليا قرارها بأنه مؤقت، يوفر فترة من الراحة والاستعداد، ويمكن التراجع عنه إذا جاءت قرارات لجنة بيل، الشبيهة بلجنة ميتشيل هذه الأيام، على غير ما ترغب. وبرزت معارضة لهذا القرار، لكن السياسة البريطانية حققت نجاحاً في تليين موقف اللجنة العربية العليا، على أرضية الواقع الصعب الذي تشكل. وقد دفع ذلك الحكومات العربية إلى إصدار بيان مشترك موجه إلى رئيس اللجنة العربية العليا، وعبره «إلى أبنائنا عرب فلسطين»، هذا نصه: «لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله، ندعوكم للإخلاد إلى السكينة حقناً للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم». وفي اليوم التالي، أصدرت اللجنة العربية العليا بياناً، هذا نصه: «قررت اللجنة العربية بالإجماع، وبعد استشارة مندوبي اللجان القومية، والحصول على موافقتهم باتفاق الآراء أن تلبي نداء أصحاب الجلالة ملوك العرب وسمو الأمير بالبيان المنشور أعلاه، وأن تدعو الأمة العربية الكريمة في فلسطين للإخلاد إلى السكينة، وإنهاء الإضراب والاضطراب ابتداء من صباح الاثنين 12 أكتوبر 1936م، وأن يبكر أفراد الأمة العربية في صباح ذلك اليوم إلى معابدهم لاقامة الصلاة على أرواح الشهداء، ورفع الشكر لله تعالى على ما ألهمهم من صبر وجلد، ثم يخرجون من المعابد لفتح مخازنهم وحوانيتهم ومزاولة أعمالهم المعتادة والله ولي التوفيق. قد توخينا في هذه المقدمة المقتبسة من بعض كتب تاريخ فلسطين السياسي، من أجل أن نصل إلى حقيقة مفادها أن ما يجري راهنا من مشاريع هي شبيهة بالمشاريع، التي كانت قد سبقتها قبل ما يقارب خمسة وستون عاماً إلى الخلف، بحيث نجد شارون يهدد بأقصى ما عنده لاستخدام القوة من أجل وقف الانتفاضة باعتبارها تشكل إرهاباً وخروجاً على القانون، بينما نجد من الجهة الأخرى حالة التباكي والحزن العربي، على الدم الفلسطيني والوضع الاقتصادي المزري الذي يعيشه الفلسطينيون، داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. فبموازاة نداء الرؤساء والملوك العرب، جاءت المبادرة المصرية الأردنية، التي تنادي بوقف العنف واستئناف المفاوضات، المستندة إلى الرغبة الأمريكية هذه المرة، لتحقيق العدل باعتبارها صديقة للعرب جميعاً، وبالتزامن مع اجتماعات لجنة المتابعة العربية التي تضم عشرة وزراء خارجية عرب، لكن قراراتها غير ملزمة لأحد من الأطراف العربية، حياداً عن ماهية هذه الأطراف ومدى تأثيرها وفعاليتها بصيرورة الأحداث الجارية. ولعل الملفت أن ما جرى من تصعيد من قبل الجانب الإسرائيلي واستخدام أعلى مراحل العنف ضد الانتفاضة، جاء نتيجة لاجتماع شارون مع جورج بوش، وكأن ثمة تناغم ما بين بن جوريون وشارون من جهة، وبين أورمسبي جور وجورج بوش من جهة أخرى، مع فارق الزمن بطبيعة الحال. والملفت أكثر حقاً أننا نلحظ اسرائيل والغرب وفي ظل أية قضية يحاولون استحضار التاريخ من جديد وكأنه شريط سينمائي مكرر،لكن بممثلين وشخوص ومخرجين جدد، غير الذين كانوا قبل عدة عقود مضت، إلا أن السيناريو يتجدد على الدوام بفارق بعض الروتوشات البسيطة، وبعض الملابس المزركشة الذي يرتديها هذا البطل أو ذاك، أي بفارق الموضة الدارجة ليس إلا. بحيث تركزت كل القضايا المطلبية على وقف الانتفاضة أولاً، وقبل كل شيء، ليذهب بعد ذلك أبناء الانتفاضة غداً أو بعد غد، مبكراً ليقيموا الصلوات على شهدائهم وعفى الله عما مضى، ويمضون نحو البحث عن سبل رزقهم، حتى ولو كان ذلك العمل في بناء المستوطنات الجديدة، التي حددت معالمها حكومة شارون على الأرض الفلسطينية، إيذاناً ببدء المفاوضات، الذي سيعمل على إحيائها السفير الأمريكي المقيم بعمان، والتي قد تبدأ دون أي برنامج واضح. إلا ما قد يأذن به الكتاب الأبيض الجديد، المتمثل بتقرير ميتشيل، الذي ساوى الضحية بالجلاد، والذي لم يعجب لا شارون ولا الطرف الفلسطيني، وأن قبوله كان مجرد تكتيك دبلوماسي أكثر منه قناعة للطرفين، فشارون يرى أن وقف الاستيطان لا يؤمن له أهدافه، ويضرب جزءاً من معتقداته، لكنه توخى في ذلك القبول النسبي الذي ينادي بوقف الانتفاضة، وعدم إزعاج الولايات المتحدة. بينما وجد الفلسطينيون محاولة لاستدرار العطف الأمريكي عله يخفف من وطأة الحدث ويحرج شارون أمام حليفته واشنطن. وباعتبار أن التقرير الذي أعدته لجنة ميتشيل هذه المرة بدلاً من لجنة بيل، التي غادرت فلسطين في 13 يناير 1937، بعد أن أمضت شهرين في فلسطين، استمعت خلالهما إلى 71 شاهداً، منهم 14 عربياً و20 إنجليزياً، و37 يهودياً، والتي أصدرت فيما بعد تقريرها في 7 يوليو 1937، الذي يضمن توصية بتقسيم فلسطين، الذي أزعج الصهاينة آنذاك وأزعج قيادة الثورة الفلسطينية أيضاً، قد يؤسس لجغرافيا فلسطينية غير القائمة راهناً كما أنتجت لجنة بيل التقسيم. ومن الجدير ذكره أن طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بدآ يريان في تقرير ميتشيل بأنه الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة البريطانية في عام 1939، فهو من جانب ينادي بوقف الاستيطان، كما أسلفنا، وهذا الكلام موجه للإسرائيليين وهذا ضرب لتطلعاتهم في التوسع، أما من الجانب الآخر يطالب الفلسطينيين بوقف العنف وكأنهم يمتلكون طائرات أف 16 والاباتشي. وختاماً ما أردت التوصل له من هذه المقارنات المعقدة، فمثلما كانت بريطانيا في أواخر عهدها غير مكترثة في قيام دولة اسرائيل أو عدمها، نجد الآن أن الولايات المتحدة بذات الموقف لكن فيما يخص القضية الفلسطينية وحدها، وهذا يتأتى إما لخوف الحكومة الأمريكية الحالية من الإخفاق إن أقدمت على تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، كما حصل مع الرئيس الديموقراطي الأسبق بيل كلينتون، الذي وضع كل ثقله لكنه لم يفلح، واما لعدم أهميتها في منظور صانعي السياسية في البيت الأبيض وأن القضية برمتها أصبحت بالنسبة للولايات المتحدة قضية ثانوية، أو أن الولايات المتحدة بإدارتها الجديدة، ما تزال تناسل سياسة كيسنجر الذي يرى بضرورة إنهاك الأطراف إلى الحد الأدنى من أجل فرض الرؤية الأمريكية كاملة للحل دون صعوبات تذكر. لكن أياً تكن التقديرات، والتصريحات، فستبقى المبادرة المصرية الأردنية مجرد يافطة، وسيتحول تقرير ميتشيل كغيره من المئات أو حتى الآلاف من التقارير المتعلقة بذات الشأن، إلى أرشيف وزارة الخارجية باعتباره لا يقدم حلول موضوعية، على الأقل بالنسبة للإسرائيليين الذين يعتبرون الاستيطان أحد الأثافي الثلاث، التي لا يمكن الاستغناء عنها مطلقاً، بالإضافة إلى الأمن والتوسع بالقوة على حساب الآخرين. ـ كاتب فلسطيني