بينما تتعمق حالة الصراع الفلسطينية الإسرائيلية، مذكرة بحروب سابقة ومواجهات كبيرة يأتي تقرير لجنة التحقيق الأمريكية مؤكداً ضرورة إيقاف الاستيطان والعنف وضرورة العودة لطاولة المفاوضات. وبينما تذكر المواجهة الراهنة بكل ما يرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي بوجهه المدمر وحروبه المدوية تشكل عملية قبول الفلسطينيين بنتائج التقرير ورفض إسرائيل لمبدأ ايقاف توسيع الاستيطان تعبيراً عن حجم الخلاف بين الطرفين. هكذا تعبر الاحداث الجديدة والتي وصفها كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة بأنها مأساوية عن امكانية توسعة الصراع ولكن القرار الأمريكي باعتماد نتائج تقرير ميتشيل، وقرار الإدارة بداية التدخل يشكل هو الآخر تطوراً جديداً. وتشكل المواقف الأخيرة لجامعة الدول العربية بداية ايجابية، وبدون موقف عربي أكثر وضوحاً فإن الموقف الأمريكي لن يجد ما يدفعه من جهة أخرى للمبادرة والاهتمام. ولكن على الأغلب سوف تتفجر الأوضاع ويسقط المزيد من الضحايا قبل أن يكتشف شارون بأنه لا حل عسكري لصراعه مع الفلسطينيين. وبينما يسعى شارون لفرض وقائع جديدة، سوف يسعى الفلسطينيون للاحتماء من سياساته من خلال تجريد إسرائيل من القيمة الأخلاقية التي تختبيء خلفها. وكما حصل في مواجهات سابقة بين قوى ضعيفة عسكرياً وقوى متفوقة تكنولوجياً فبإمكان الاستراتيجية الفلسطينية ان تبقي إسرائيل في مأزق إلى أن تقبل بحل يقوم على أساس سياسي مقبول وعادل. ومن الواضح أن إسرائيل في مأزق غير مرئي، فمع استمرار أعمال العنف سوف يتعمق مأزق شارون الذي يقوم على مبدأ أن القوة هي الطريق الوحيد لترويض الجانب العربي. وبينما نجد دائماً بأن الصراع بين العرب وإسرائيل يؤثر على مجريات السياسة في الشرق الأوسط، إلا أن الارتباط بين القضيتين: الفلسطينية والعربية هو أكثر تفاعلاً اليوم مما كان عليه الحال منذ السبعينيات. بل تبدو المنطقة العربية في طريقها للتركيز على التعامل مع هذا الصراع من خلال خوضه والدخول في معتركه ومحاولة إيصاله لنهايته الطبيعية.. فبدون تحرر وتغير في ميزان العلاقة بين العرب وإسرائيل من حالة الصراع إلى حالة السلام في إطار العدالة والانسحاب الإسرائيلي لن يكون هناك مستقبل للوضع العربي. ولهذا بالتحديد فإن الدور الأمريكي دور مطلوب لتهدئة الوضع والعودة إلى طريق التفاوض. فبينما تقاتل إسرائيل بسلاح أمريكي، وتستخدم طائرات أمريكية مما يعود بالضرر على السمعة الأمريكية الإقليمية، من غير الطبيعي ألا تتدخل الولايات المتحدة لتضع حدوداً لاستخدام أسلحتها ولأسلوب تعامل إسرائيل مع قضية تترك أكبر الأثر على المصالح الأمريكية في عوالم العرب والمسلمين. لهذا تشكل عملية إيفاد مبعوث أمريكي إضافة للاحتجاج خلف الكواليس على استخدام «اف 16» ضد الفلسطينيين بداية في الاتجاه الصحيح. وكانت ردود فعل وسائل الإعلام الأمريكية سلبية تجاه استخدام إسرائيل لطائرات «اف 16»، بل اعتبر الكثير منها بأن استخدام إسرائيل للطيران الحربي ولطائرات «اف 16» للرد على الفلسطينيين فيه تجاوز لخطوط جرى التفاهم عليها عند بيع الأسلحة الأمريكية لإسرائيل، بل إن قيام إسرائيل باستخدام الطائرات في المستقبل سوف يساهم في تغيير اتجاهات الرأي العام الأمريكي. إن الصراع الراهن لن ينتهي تقريباً، وهو صراع مرشح لمزيد من الانفجار والتصعيد وذلك قبل أن يهدأ ويتحول نحو التفاوض في ظل إطار جديدة. وسوف تحاول إسرائيل تجاوز الخطوط الحمراء وسوف تضرب في العمق في محاولة لكسر إرادة الصمود الفلسطينية ولصالح تحصيل تنازلات جوهرية من الفلسطينيين. ولكن فشل إسرائيل في تحقيق ذلك سوف يكون الفشل ذاته الذي تواجهه الدول التي تسعى للسيطرة على شعوب أخرى واحتلال أراضيها. إن طريق المقاومة الراهن هو الآن المدخل لاستعادة التفاوض ثم السلام في المرحلة المقبلة. ـ أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت