ما ان ينهمك «الوسيط» الأمريكي الجديد وليام بيرنز في مهمته المكوكية متنقلاً بين غزة وتل أبيب وبين القاهرة وعمّان حتى تسأل نفسك: متى شاهدت هذا المسلسل؟ ولن يطول بك الاستذكار. فجأة سيقفز الى ذهنك اسم «الوسيط» الأمريكي السابق دينس روس. وعدا دور روس الذي خلفه السفير بيرنز ودور مادلين أولبرايت التي خلفها كولن باول لم يتغير «كاست» الممثلين. ورغم أن المخرج جورج بوش أخذ مكان المخرج بيل كلينتون وأن مساعد المخرج ايهود باراك خلفه أرييل شارون إلاّ أن السيناريو المعد يبقى كما هو عليه. ومع ذلك سوف يكتشفون هذه المرة استحالة تنفيذ السيناريو على الوجه المطلوب. فقد تغيرت معالم الخلفية العامة للمشهد بحيث لم تعد تتلاءم مع فكرة المسلسل. فما بين نهاية روس وبداية بيرنز اشتعلت الانتفاضة الفلسطينية جارفة ثقافة الخداع التفاوضي. وليام بيرنز سفير الولايات المتحدة لدى الأردن هو الشخصية التي وقع عليها اختيار وزير الخارجية كولن باول ليتولى نيابة عن واشنطن المساهمة مع اسرائيل في إعادة جني الانتفاضة الى قمقمه تحت اسم تطبيق توصيات تقرير لجنة ميتشيل. ونعرف الآن أكثر من أي وقت مضى لماذا أصرت واشنطن في قمة شرم الشيخ الأخيرة على أن تنفرد بأمر لجنة التحقيق الدولية التي اقترحها الجانب الفلسطيني. إن مغزى هذا الإصرار هو النتيجة التي نراها الآن: توصيات تتناغم تماماً مع المنظور الاسرائيلي الأمريكي لخطر الانتفاضة صادر عن لجنة يرأسها سيناتور أمريكي. «وضع حد لأعمال العنف» هو الشيفرة التي استعارها جورج ميتشيل من أدبيات السياسة الشارونية لتكون المركز الأساسي لتقريره وكأنما الهدف الأوحد للتقرير هو ابتكار الصيغة الدبلوماسية المطلوبة لمساعدة العدوان العسكري الاسرائيلي في القضاء نهائياً على المقاومة الفلسطينية الشعبية. فالتقرير يتعامل مع قضية الفلسطينيين بروح التزييف العمد. فهو ابتداء يطلق على المقاومة اسم «الارهاب». وهذه رؤية تنسجم تماماً مع النظرة العامة لوضع التقرير تجاه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. فالتقرير يصوره وكأنه نزاع بين دولتين مستقلتين متكافئتين في القوة وليس مقاومة وطنية شعبية محدودة القوة المادية ضد دولة أجنبية تحتل أراضيه في تحد لكل مباديء القانون الدولي. ولتجسيد هذه النظرة لفظياً يقول ميتشيل: «نحن ندعو الطرفين لوضع حد لأعمال العنف فوراً ودون شروط» بينما المفروض أن يقول وفقاًَ للقانون الدولي: نحن ندعو اسرائيل لسحب قواتها تمهيداً لتصفية احتلالها للأرض الفلسطينية. هذه ببساطة هي القضية.. قضية قوة احتلالية أجنبية تصر على مواصلة احتلالها.. وشعب يقاوم من أجل تحرير أرضه. وبالتالي فإن استخدام العنف في الحالة الاسرائيلية غير مشروع بينما هو في الحالة الفلسطينية مشروع تماماً وفقاً لمواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية اللاحقة به. فكيف تساوي لجنة ميتشيل بين العنفين أحدهما يمثل السبب والعلة الأساسية والثاني ليس سوى رد فعل طبيعي؟ وعلى أية حال فإن التقرير يقترح إجراءين محددين من أجل «وضع حد للعنف» هما: ـ على الجانب الاسرائيلي تجميد كل النشاطات الاستيطانية بما فيها توسيع المستوطنات المرتبط بالنمو السكاني الطبيعي. ـ على الجانب الفلسطيني بذل كل الجهود لمنع «الإرهاب». والسؤال هو: بأي كيفية يباشر «الوسيط» الأمريكي الجديد مهمته في إطار تحقيق هذين الهدفين ميدانياً كتوطئة لـ «استئناف مفاوضات السلام» كما يقول تقرير ميتشيل؟