الفوز في أي معركة لا يعني بالضرورة أن ذلك يعود إلى قوة الطرف المنتصر، أو أن الطرف الذي يحقق النصر اكثر ذكاء وافضل فهما لاستراتيجية التخطيط وإدارة المعارك من الطرف المهزوم، بل كثيرا ما تعود الانتصارات إلى ضعف الخصم وتشتته أو افتقاده للتخطيط والقيادة الحكيمة التي تضع خططا معاكسة، أو تدير المعركة على نحو يفسد خطط الخصم الآخر. وكما يحدث هذا في المعارك العسكرية فان هذا يحدث في المعارك السياسية أيضا، بل أن السياسة تعتبر اليوم هي المعركة الحقيقية التي ينتصر فيها أي طرف على خصمه أما اللجوء إلى السلاح فهو آخر ما يمكن أن يفكر فيه أي من الطرفين، بل أن التفكير في استخدام السلاح يكون عادة محاولة أخيرة لتحقيق هدف بالقوة بعد ان فشلت السياسة في تحقيق الهدف نفسه، بل هناك من يرى ان القوة العسكرية وسفك الدماء يكون عادة سلاح الضعيف مشلول التفكير. ولو عدنا إلى «معارك السياسة» وإمكانية الانتصار فيها بضعف الخصم وتشتته اكثر من كونه انتصارا يعود إلى القوة الذاتية سنجد أنفسنا أن المعركة السياسية التي سيخوضها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في الأسبوع المقبل للفوز بفترة حكم جديدة لحزب العمال الذي يرأسه تنطبق عليها مواصفات المعارك التي يتم كسبها ليس لفرط القوة الذاتية بقدر ما أن الانتصار فيها يعود لفرط ضعف الخصم، والخصم في هذه الحالة هو حزب المحافظين. قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية بذلك المؤتمر الصحافي الذي استعرض فيه توني بلير قدراته «الإعلانية» كانت جميع استطلاعات الرأي تشير إلى أن حزب العمال سيفوز بأغلبية مريحة جدا، إن لم تكن ساحقة، بل أن بعض تلك الاستطلاعات والاستفتاءات التي دأبت معظم وسائل الإعلام على التنافس عليها في هذه الأوقات الانتخابية تؤكد أن فوز توني بلير سيكون بمثابة «استعراض عسكري» على ارض معركة خالية من الجثث والدماء. الطريق الثالث تؤكد استطلاعات الرأي أن حزب العمال، منذ تخليه عن برامجه الراديكالية التي تميز بها خلال الثمانينيات وبدايات التسعينيات والتي كانت سببا في احتكار حزب المحافظين للسلطة في بريطانيا طوال ثمانية عشر عاما، عرف كيف يحتل الوسط الانتخابي الذي اصبح المفتاح إلى باب «10 دوننج ستريت»، ليس في بريطانيا فقط بل هو مفتاح السلطة في جميع الدول التي تأخذ بنظام الديمقراطية الغربية. لأنه بعد سقوط الأيديولوجي وفتح الأسواق أمام هوجة العولمة لم يعد هناك يمين حقيقي مميز ولا يسار حقيقي مميز، خاصة في الدول الغربية التي حققت قدرا من الرفاهية أصبحت فيها تلبية الاحتياجات الأساسية التي تفتقدها شعوب العالم الثالث والمتخلف مسألة غير قابلة للجدل بين الأحزاب، فالكل يعمل على استمرار تلك الرفاهية في حدها الأدنى، واصبح السباق بين الأحزاب المختلفة على من يخفف أكثر في الضرائب عن كاهل الممولين، لأن الجميع يكسب بما فيه الكفاية ويتطلب هذا أن يساهم الجميع في دفع الضرائب، أي أن جميع فئات الشعب من ممولي الضرائب وان تفاوتت في حجمها. بالنسبة لحزب العمال البريطاني بزعامة توني بلير تمكن من فهم تلك المعادلة منذ اعتناقه ما أطلق عليه «الطريق الثالث»، بغض النظر عن التزامه بهذا الطريق الثالث سياسيا أم لا، المهم تطبيق الشق الاقتصادي منه. أما حزب المحافظين فقد غرق في ضباب بريطانيا بحثا عن طريق العودة إلى السلطة منذ أن أعمت بصيرته معركة إبعاد «المرأة الحديدية» مارجريت تاتشر عن زعامة الحزب، والدخول في مرحلة جون ميجور «الرمادية» التي لم يكن لها طعم ولا رائحة. الزعامات البراقة بل ازدادت الأزمة حدة بعد الهزيمة المدوية التي مني بها المحافظون عام 1997، وانتهت معه الزعامات البراقة ليدخل الحزب في مرحلة البحث عن زعيم يمكنه أن يوحد الحزب ويرفع شعارا يجذب به جماهير ترى فيه عودة إلى اليمين التقليدي الذي لم يعد يقدم جديدا لمعظم الطبقة العريضة التي تملك مفاتيح السلطة والتي لا تقف على لا اليمين ولا اليسار، بل تحتل الوسط الذي يعد اعرض الشرائح التي تتوجه إلى صناديق الانتخابات بشكل عادي. ونظرا لهذا الوضع فان معظم استطلاعات الرأي تقول ان زعيم المحافظين الحالي «وليم هيج» ليس سوى زعيم مرحلي، لأنه لا يمنح الناخب ثقة حقيقية تمكنه من منحه صوته بحثا عن تغيير محتمل للسياسة العمالية الحالية في السلطة. وهذا لا يعود فقط إلى شخصية الزعيم المحافظ الباهتة التي تفتقد إلى البريق الجماهيري بقدر ما تعود إلى الحزب نفسه الذي اصبح اكثر يمينية من قبل، بل أن طروحاته أصبحت تعود إلى اليمين التقليدي الذي لم يعد له وجود في عالم الديمقراطية الغربية المعاصر. يضاف إلى هذا أن المنافسة الساخنة التي لا تهدأ بحثا عن زعيم متألق أفقدت الحزب حسه السياسي وأبعدته عن جماهيره التي صوتت له لسنوات طويلة، وأيضا بعض التصريحات اللا مسئولة لبعض زعماء الصف الثاني من «عواجيز» حزب المحافظين التي تحن إلى الماضي «التاريخي» لبريطانيا معتقدة انه بالإمكان العودة إلى الوراء في الزمن لاستعادة الأمجاد التاريخية للبلاد، فيطلقون التصريحات التي تدخل في باب العنصرية ضد الأجانب، دون الالتفات إلى أن ذلك الماضي القديم كان سببا في انتقال أبناء المستعمرات السابقة للحياة في بريطانيا، وحصل أبناؤهم وأحفادهم على هويتها، وتحولوا إلى أصوات محتملة في صناديق الانتخابات يجب وضعها في الحسبان. قوة خفية من تلك التصريحات والأخطاء ذلك التصريح الذي أدلى به قبل أسابيع قليلة البرلماني المحافظ «جون تاونيند» الذي كشف عن مدى تعمق «ثقافة العنصرية» بين السياسيين المحافظين في بريطانيا في وقت اصبح فيه أحد أعضاء الحزب المرشحين للزعامة ينتمي إلى اصل إسباني، وان قال البعض بانتمائه إلى أصول جنسية أوروبية فهو في النهاية أجنبي مولود لأبوين أجنبيين على ارض بريطانيا، وتحول إلى المع السياسيين المحافظين على الرغم من انتماء أبويه إلى المهاجرين «الجمهوريين اليساريين» الذين شردهم الجنرال فرانكو تحت مسمى «الحمر» (؟!). إذن ضعف الخصم وتخبطه في أخطائه، وليس قوة المنازل التي ستكون السبب في الانتصار الساحق الذي تؤكد استطلاعات الرأي أنه وشيك الحدوث في بريطانيا خلال أيام قلائل، وهذه الاستطلاعات إن صدقت فإنها تشير إلى أن الخطر المحتمل على الانتصار العمالي لتوني بلير تستبعد أن يكون سببه حزب المحافظين كمنافس تقليدي في تلك الانتخابات، لأن الأحرار، تقليديا، مجرد حكم يمسك العصا من عدة أطراف ليس من بينها الطرف المؤدي إلى السلطة، لكنه ا وان كانت تستبعد إمكانية هزيمة حزب العمال وخروجه من السلطة، لكنها لا تستبعد إمكانية أن يكون انتصاره في الانتخابات القادمة محدودا، ونعود لنؤكد أن هذا لن يكون بسبب قوة في المحافظين خفية وغير معروفة، ولكن لو حدث هذا فانه سيكون بالتأكيد بسبب الحزب العمالي نفسه. فهناك احتمال كبير أن تؤدي الاستطلاعات التي تؤكد انتصار حزب العمال بأغلبية كبيرة إلى دفع الناخبين إلى التقاعس عن تأدية واجبهم الانتخابي، وعندها سيكون حظ حزب العمال هو نحسه. الغضب الشعبي ويقول بعض المراقبين إن تخلي الناخبين عن تأدية واجبهم الانتخابي ليس سببه استطلاعات الرأي فقط، بل يضاف إليها أسباب أخرى، منها على سبيل المثال الغضب الشعبي من حكومة توني بلير بسبب الأخطاء التي وقع فيها أثناء علاج كارثة «جنون البقر» و«الحمى القلاعية» التي حولت الريف البريطاني إلى «محرقة حقيقية» أتت على الثروة الحيوانية البريطانية تماما، ويحتاج الريف البريطاني إلى عقود لعودته إلى حياته العادية بعد هذه الكارثة «الطبيعية». لكن هؤلاء الغاضبين من الناخبين لم يجدوا في المحافظين بديلا حقيقيا يدفعهم إلى الذهاب إلى صناديق الانتخابات لينفسوا عن غضبهم في شكل تصويت مضاد لحزب العمال، وهذا يعود إلى حزب المحافظين لم يكن بريئا تماما من تلك الكارثة، لأن العديد من التقارير تقول انه لو تم علاج تلك الكارثة منذ بداياتها التي كانت على عهد وجود المحافظين في السلطة لامكن تفادي أضرارها البالغة التي تعاظمت خلال الأشهر الأخيرة. من هنا يمكن تفسير الحملة المحمومة التي يقودها توني بلير إعلاميا، لا لحث الناخبين على منحهم ثقته، بل لحثهم على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، لأنه يعرف أنه كلما زادت نسبة المقترعين زادت أيضا احتمالات فوزه الساحق بنسبة كبيرة تجعله يتفوق على خصومه، ويحكم بلا منغصات من تلك التي يمكن أن تتسبب فيها حصوله على أغلبية نسبية ومحدودة. ـ كاتب مصري