حينما تنصت لأحاديث الناس، أصدقائك وزملائك في العمل الذي تتقاسمه معهم، أو في أعمال ووظائف أخرى، يحكي لك كل هؤلاء عن مواقف حصلت معهم أو مع زملاء لهم مع أشخاص آخرين، ومن بين كل المواقف التي أسمعها يستفزني كثيراً ذلك الموقف الذي يجعل شخصاً ما طرفاً في خلاف او مشادة او حتى صراع من نوع ما في الوظيفة التي يعمل فيها، مضطراً للاستسلام خوفاً من الطرف الآخر (الأقوى وظيفياً)، والاستسلام هنا غالباً ما يكون بالصمت والسكوت على الظلم أحياناً، أو الانسحاب من الموقف قبل انهائه بشكل او بآخر! ان الموظف أو الموظفة يخافان من رئيسهما ولذلك لا يناقشانه في المواقف بل يصمتان ويستسلمان، والمعلم أو المعلمة يتقبل كلاهما من مدرائهما سيلاً من الاهانات والاوامر السخيفة، فيصمتان ويتقبلان ذلك خوفاً من أن تكتب عنهما تقارير (سرية) قد تنقلهما من مدارسهم المفضلة والقريبة من المنزل، أو قد يعاقبان بجدول حصص سيئ التوزيع، او قد يفاجآن من قبل المدير او المديرة بتصرف مهين أمام زملائهما، ولذلك يفضلان السلامة ويصمتان خوفاً وتجنباً لكل ذلك! وللأسف فكثيرات وكثيرون ممن نعرفهم ونسمع حكاياتهم يسقطون أمام الخوف والتردد فيتحولون الى شخصيات تثير الشفقة والغيظ في الوقت نفسه، فالآخر لا يخيف لأنه قوي، انه يخيف لأننا اعطيناه الفرصة ليستقوي علينا! لقد قرأت انه عندما كان الشاب الاسباني يسير مع صاحبه في الصحراء الشاسعة وفي عتمة الليل باحثا عن كنزه، تذكر متاعبه وآلامه التي لاقاها أثناء بحثه، وتذكر حبيبته التي فارقها وقد يعود ولا يجدها فقال لصاحبه: «ان قلبي يخشى العذاب» فكان رد صاحبه: «قل لقلبك ان الخوف من العذاب أسوأ من العذاب نفسه، وليس هناك من قلب يتعذب عندما يتبع احلامه، لأن كل لحظة من البحث هي لحظة لقاء مع الله والخلود». هذا الحوار دار بين الشاب بطل الرواية وصاحبه في رواية (الخيميائي) للبرازيلي الشهير باولو كويلو، وفيها خلاصة القضية، ان نتائج الخوف أكثر رعباً وسوءاً من الخوف نفسه، فلماذا نخاف؟ لماذا نخاف؟ سؤال لو أجبنا عنه بصراحة وبصدق لأمكننا الخلاص من هذا المرض، وهو مرض حقيقي لأنه يقود للانحراف في نهاية الأمر، وأي انحراف أشد وطأة من قبول الظلم والسكوت عن الحق من أجل الحفاظ على علاقة أو وظيفة أو ترقية أو مرتب أو مصلحة أو... الخ، لكننا للأسف نتربى على الخوف، نخوَّف منذ نعومة أظفارنا، من الجن والعفاريت والحيوانات، والناس السيئين، ومن غدر الزمان وخيانة الأصدقاء، وتخلي الأقرباء و... آلاف الناس في رحلة العمر يخوفوننا من أشياء كثيرة، وحتى الأصدقاء يخوفوننا مما مروا به هم من تجارب سيئة ومواقف فننشأ في بيئة وضمن ثقافة قائمة على الخوف انطلاقاً من المثل القائل (من خاف سلم) فبينما الحقيقة ان الخائف من أمر يظل طوال حياته يتألم مما يخاف منه بل ويكرهه، وهنا يقع في التناقض بين ما يظهره من تملق ونفاق وابتسامات كبيرة لمن يخاف منه وبين ما يضمره من كره وبغض له، وهذا ما قصده الفيلسوف ابقراط حينما قال: (من يخشى ان يتألم يتألم مما يخشى). لماذا نخاف؟ ان من يخشى ان يكون له أعداء، لا يكون له أصدقاء ومن يخاف على وظيفته لا يرى من الحياة سوى أضيق أماكنها، بينما الحياة تزخر بآلاف الأمكنة والكرة الأرضية شاسعة جداً وفيها متسع للجميع، حيث تقودك الجرأة وقوة الشخصية ومواجهة المواقف بصلابة وتحد وتعقل الى تخوم العالم والى النجوم احياناً، بينما يقودك الخوف الى العذاب والتوتر والانزواء، فتموت نفسك قبل جسدك! لماذا؟ هل هناك في الدنيا شيء او شخص يستحق ان نقتل أنفسنا وشخصياتنا لأجله؟ لا أظن.. لكن هناك قرار شخصي في النهاية، حيث يوجد أشخاص لا يستطيعون سوى ان يكونوا خائفين وجبناء، لأنهم لا يمكنهم ان يكونوا غير ذلك، هكذا يوزع الله الأقدار أحياناً!!