ماذا يفيد الواحد منا لو ربح كنوز الدنيا، وخسر هويته؟ فهل يبقى له من مبرر للوجود، بعد ان يفقد وطنه مرتين، الاولى مغتصباً في وضح النهار بقوة السلاح، وبسطوة الجرم المشهود، والثانية في غيبة وطمس خارطة الوطن من الذاكرة المعطوبة، والقلب الصناعي، المتجمدة فيه أوجاع من سالت دماؤهم على مرالسنين، حتى لا تجف أوراق شجرة الانتماء وتتساقط تحت أقدام قراصنة، تخصصوا في سرقة الجغرافيا والتاريخ، ونصبح نحن في وضع من يفرطون في أشياء لا تباع ولا تشترى. في الاغتصاب الأول، او النكبة الكبرى، ضاعت فلسطين بالعجز والغفلة، والخديعة، وركون الكثير منا نحن العرب للمنطق الضعيف المتمثل في ابراء الذمة، سواء بالتهوين او التهويل، ففي النهاية لم تكن لحظة المواجهة لصالحنا ومازلنا نكرس في أعماقنا الخديعة ونقول: لقد أُخذنا على حين غرة! رغم ان التاريخ لا يقبل حجة من يرددون مقولة الأخذ على حين غرة! بل ويسخر منهم، ولا يبارك ضعفهم وانخداعهم. وأفدح من ضياع فلسطين، ما يجري الآن من محاولات ممنهجة ومدروسة لطمس تضاريسها ومحو خارطتها من عقول وقلوب ابنائها. فمن منا بقي في ذهنه حاضراً الاسم العربي لقرى الجليل وحيفا ويافا وعكا وغيرها، وحتى الأسماء لو بقيت، فلقد أحالها اعلامنا العربي الرسمي وخطاب حكوماتنا المتسلحة بخيار السلام الى المتاحف، ولم تعد صالحة للاستخدام في نظرها، لأنها تعكر صفو اجواء السلام. وهل ما زلنا نذكر ـ لو حتى بشكل موسمي ـ وقائع ما جرى، ونحفِّظه لأجيالنا، حتى نحصنهم ضد فيروسات المسخ الصهيوني، او نورثهم شيئاً من تاريخنا يرسخ جذور الانتماء فيهم، ام كالعادة نتركهم تائهين في دوامة، تقذف بهم الى الشاطئ الآخر، وتتلقفهم ايادي الجبناء، لتعيد تطويبهم وتخلع عليه رداء الضياع والوهم، بعد ان تنزع عنهم جلودهم، وتخضعهم لترانيم الزيف وتعيد بناء ذاكرتهم، وفقاً للتقويم الصهيوني، فتصبح فلسطين هي اسرائيل، وتصبح جرائم الاغتصاب ومذابح الوطن هي حرب التحرير الصهيونية، وتصبح النكبة عيداً قومياً، نتبادل فيه التهاني مع القراصنة الارهابيين، ونصبح نحن كباشاً للمحرقة المزعومة، ونترحم على ستة ملايين يهودي زعموا انهم قتلوا في افران الغاز النازية، ونبجل قاتلي أبنائنا واجدادنا، ونجتث من داخلنا مشاعر الاسى على شهدائنا، وربما نتخوف من الترحم عليهم، حتى لا نتهم في نظر الصهاينة بالارهابيين، طالما صار كل من يجرؤ حتى على الحديث عن حق العودة ارهابياً. هذا ليس مجرد كلام من باب البكاء على الاطلال بل فجره ما يجري حالياً لأبناء فلسطين، الذين يحلو لنا الحديث عنهم بعرب 48، اي الذين بقوا صامدين ولم يمكنوا الصهاينة من طردهم ليصبحوا لاجئين، ويتعامل معهم اعلامنا الرسمي غالباً بوصفهم: عرب اسرائيل! وبعد ان فشلت وأفلست كل الوسائل الصهيونية في تذويب هوية الآباء والاجداد او الجيل الذي عاصر النكبة الاولى، بدأت اسرائيل في اسلوب جديد لتطويع الابناء وسرقة وعيهم وطمس انتمائهم لوطنهم ولأمتهم العربية. يتمثل الاسلوب الصهيوني الجديد في اعادة تدريس وتعليم التاريخ على الطريقة التي تضمن شفاء الابناء الفلسطينيين من «مرض» المقاومة او الرهان على عودة فلسطين، وجعلهم يؤمنون بأن الصهاينة ليسوا مجرمين ولا قتلة، بل ضحايا أبرياء، وأبطال لمعركة تحرير أرض الميعاد، ويحذفون من قاموسهم للأبد لفظ النكبة. ويتحقق البرنامج الصهيوني الجديد من خلال اخضاع التلاميذ الفلسطينيين من عمر 12 سنة لدراسة محنة اليهودي التائه أو «الجيتو اليهودي» في أوروبا، ويستمر البرنامج لمدة ست سنوات، يتشرب فيها الصبية والفتيات كل التعاليم اليهودية والمزاعم الصهيونية تحت شعار التعليم الانساني الذي ينظمه مركز متحف المحرقة المقام لضحايا النازي من اليهود في تل ابيب. ويبدو ان البرنامج أثمر فعلاً ونجح الصهاينة في خطتهم لتسميم وعي ابنائنا، ولهذا احتفل الاسبوع الماضي بتخريج اول دفعة، ولم يكتف بنجاحه في مسخ هوية أبنائنا بل، جعلهم يجيئون بآبائهم لزيارة المحرقة والتعرف على البطولات الصهيونية في حرب التحرير، آسف أقصد نكبة ضياع الوطن، وكأن مجرمي الحرب الصهاينة يخرجون لسانهم لنا.. ويقولون تصبحون على وطن!