هذه هي المرة الثالثة التي أقوم فيها بتدريس الأدب العربي في الولايات المتحدة الأمريكية. كانت المرة الأولى في جامعة وسكونسن في مدينة ماديسون سنة 1977، وكان تدريس الأدب العربي واللغة العربية، جزءا من مقررات قسم اللغات والآداب الافريقية بجامعة وسكونسن، خصوصا بعد أن قامت بعض العناصر الصهيونية بطرد الأدب العربي من قسم اللغات السامية، فتقبله الأساتذة الذين يتولون مهمة تدريس الآداب واللغات الافريقية بالترحاب في قسمهم. ولم تمنعهم من ذلك مفارقة أن الأدب العربي لا يقع كله جغرافيا في قارة افريقيا. وكانت المرة الثانية بعد سنوات عديدة، في جامعة هارفارد سنة 1995، وهي الجامعة التي أصرت على دعوتي للمرة الثانية هذا العام لأتولى تدريس الأدب العربي فيها سنة 2001. هذه المرات الثلاث على أي حال أتاحت لي تكوين بعض الملاحظات عن أدبنا العربي في الجامعات الأمريكية على وجه التحديد، خصوصا في علاقته بالطلاب الذين لا يعرفون العربية أن يتقنوها لدرجة قراءة الأعمال الأدبية بها، ولذلك فهناك ما يعرف في المقررات الدراسية باسم (الأدب العربي المترجم) والذي يتمثل في الأعمال الأدبية المترجمة الى اللغة الانجليزية، وهو مقرر أصبح شائعا في أغلب الجامعات الأمريكية، مع تدريس اللغة العربية نفسها نتيجة متغيرات كثيرة. وقد لاحظت في زيارتي التدريسية الأولى قلة المحصول المترجم الى اللغة الانجليزية، وهو محصول كان يتمثل في أعمال قليلة من الأدب العربي الحديث، خصوصا الرواية، حيث بعض أعمال نجيب محفوظ (ولم يكن من بينها الثلاثية كاملة) ويوسف ادريس والطيب صالح وكاتب ياسين وغيرهم من جيل الخمسينيات، الى جانب بعض أعمال جيل الرواد الذي يضم طه حسين وتوفيق الحكيم، ولم تكن أغلب أعمال نجيب محفوظ، أو يوسف ادريس فضلا عن كتاب الستينيات، قد ترجمت في ذلك الوقت، فمثلا (الزيني بركات) لجمال الغيطاني لم تترجم إلا في سنة 1988 الى الانجليزية، بعد أن كانت قد ترجمت الى الفرنسية سنة 1985، وقس على جمال الغيطاني غيره من أبناء جيله أو الجيل اللاحق أو السابق. ولذلك، كانت النصوص المتوفرة من الروايات العربية باللغة الانجليزية محدودة الى حد كبير، وطبعا كانت أقل في الشعر وفي المسرح، وكان الاهتمام الغالب بالأدب العربي القديم. وأتصور أن ذلك كان السبب في أن دراسات الأدب العربي المتأثرة بالبنيوية التي كانت صاعدة في السبعينيات الأمريكية كانت عن الأدب العربي القديم بالدرجة الأولى، وكانت بمثابة تطور طبيعي لحركة الاهتمام الأدبي بالنصوص العربية القديمة، وهي الحركة التي كانت كتابات جرونباوم نقطة دفع أساسية لها. وأذكر أنني أثناء اقامتي وتدريسي في جامعة وسكونسن اكتشفت مركز جامعة ميتشجان للميكروفيلم، وهو المركز الذي كان يحتفظ بنسخ من كل الرسائل الجامعية في الولايات المتحدة. وبواسطة هذا المكتب، قرأت أطروحة الجنرال بيليد الاسرائيلي عن نجيب محفوظ، وكانت بعنوان (الدين موطن)، وذلك في الوقت الذي عرفت فيه ما كتبه ساسون صوميخ عن أعمال نجيب محفوظ ويوسف ادريس. وأذكر أنني أخذت في جمع ما كتب في اسرائيل عن الأدب العربي، خلال زيارة لثلاثة أسابيع في واشنطن حيث مكتبة الكونجرس، ولكنني توقفت عن إكمال المحاولة نتيجة مبادرة السلام التي قام بها الرئيس السادات الذي زار اسرائيل في ذلك الوقت. وعندما عدت الى الولايات المتحدة المرة الثانية، زائرا لجامعة هارفارد، لاحظت ضآلة الاهتمام بالأدب العربي الحديث في هذه الجامعة التي بدت كما لو كانت لم تسمع بأحد من الكتاب العرب المعاصرين، والتي بدت في الوقت نفسه خصوصا في دائرة الاهتمام بالدراسات العربية غير مهتمة بالتطورات الجديدة في النقد الأدبي، وكان ذلك نتيجة تقاليد الدراسة المحافظة في جامعة هارفارد التي اهتم أساتذتها باللغة العربية وآدابها كجزء من اهتمامهم بالآداب السامية، وفي موازاة دراساتهم الكتاب المقدس. ولذلك كان التركيز على الأدب العربي القديم، والدراسات الفيلولوجية على الطريقة الالمانية.. ورغم أن الاهتمام بالأدب العربي الحديث كان قد بدأ يغلب على الكثير من الجامعات الأمريكية، نتيجة حرب 1967 وأهمية النفط العربي، وبروز المشكلات العربية المعاصرة، وتزايد عدد أبناء الجالية العربية، والسمعة الموجبة التي احتلها الأدب العربي بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل سنة 1988، أقول رغم ذلك كله، كان الاهتمام بالأدب العربي الحديث المعاصر ضئيلا في جامعة هارفارد. وقد أحدث تدريسي لهذا الأدب دوامة جديدة من الاهتمام، استجابت لها الجامعة بتوسيع الميزانية، وتوظيف بعض الدارسين لتدريس هذا الأدب الحديث والمعاصر على وجه التحديد. وما أزال أذكر الدهشة التي كانت مرتبطة بالاستجابات الموجبة لأعمال سليمان فياض والغيطاني وعبدالحكيم قاسم وغيرهم من كتاب الستينيات الذين اهتممت بتقديمهم من العالم العربي كله. وقد دفعت صديقي بيل جرانارا الى ترجمة رواية (الزلزال) للكاتب الجزائري الطاهر وطار. وصدرت الترجمة الانجليزية مع مقدمة لي منذ ثلاثة أعوام تقريبا. ويعمل بيل جرانارا حاليا في ترجمة (غرناطة) رضوى عاشور، وهو مثال على غيره من شباب الاكاديميين المهتمين بالدراسات العربية في الولايات المتحدة، وهم الأكاديميون الذين أخذوا يميلون الى ترجمة الأدب العربي الحديث بعد أن أصبح له سوق خاصة به، وبعد أن تعرف هؤلاء الأكاديميون على كتابات العديد من الكتاب العرب. وقد أخذ الاهتمام يجاوز جيلي نجيب محفوظ ويوسف ادريس والطيب صالح وجبرا ابراهيم جبرا الى صنع الله ابراهيم وعبدالحكيم قاسم وزيد مطيع دماج وعبدالرحمن منيف، كما انتقل الاهتمام الى أدب المرأة فترجمت أعمال غادة السمان وحنان الشيخ وهدى بركات وسلوى بكر، وتمضي القائمة لتشمل ميرال الطحاوي ومي التلمساني، وترجمة روجر آلن لرواية (دنيا زاد) للكاتبة مي التلمساني هي إحدى الترجمات الموجودة في القائمة المختصرة حاليا لأفضل الأعمال المترجمة. ولذلك لم أدهش هذه المرة، وأنا أراجع فهارس مكتبة وايدنر في هارفارد، لمعرفة المتاح من الأدب العربي المترجم، فقد وجدت القائمة كبيرة بالفعل، وتضم العديد من الأجيال المتتابعة أو المتصارعة، وتشمل الرواية والمسرح ومجموعات القصة القصيرة، وبشكل يغطي الأقطار العربية على نحو لافت للانتباه، وقد ظهرت دور نشر متخصصة في الترجمة عن الأدب العربي، مثل دار نشر (القارات الثلاث) كما ظهر ناشرون جدد لترجمة النتاج المترجم، مثل دار (الساقي) في لندن. وأخذت دور النشر تظهر اهتمامها وتصدر سلاسل خاصة كما فعلت دار نشر ( هاينمان) كما أخذت الجامعات تتنافس في نشر الترجمات عن العربية، وعلى رأس القائمة الى الآن جامعة سيراكيوز. ولاشك أن شباب الدارسين والدارسات الأمريكان الذين يذهبون الى الأقطار العربية لممارسة اللغة العربية أصبح لهم دور مهم في عملية الترجمة. أنا شخصيا سعدت عندما ا وجدت أحد الطلاب الذين قمت بالتدريس لهم في إحدى السنوات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة قد نهض بمهمة ترجمة رواية (أصوات) لسليمان فياض التي كانت ضمن المقرر الدراسي في تلك السنة. وكانت الأصوات الجديدة للكاتبات الشابات (ولا أقول كتابة البنات كما يشاع في القاهرة) ذات أثر ايجابي طيب بعد ترجمتها الى اللغة الانجليزية. وكان من نتيجة ذلك أنني لم أجد صعوبة في اختيار نماذج عربية من الرواية المعاصرة لأناقش مع طلاب وطالبات الدراسات العليا في جامعة هارفارد كيفيات تعبير الرواية العربية عن أشكال متعددة من القمع السياسي والديني والاجتماعي والأدبي.. الخ.. وكانت النماذج الموجودة أمامي في المكتبة كافية لأن أختار خمسة عشر عملا روائيا على امتداد الأقطار العربية، مترجمة كلها الى اللغة الانجليزية، وأقوم بتدريسها لطلاب الأدب المقارن الذين لا يعرفون اللغة العربية.