التصعيد الدموي الذي تشهده الأرض المحتلة مشهد لم تنجح كل قدراتنا على بناء علاقة ألفة مع الكوارث على قهره، فهو يتكرر منذ شهور ورغم ذلك يزداد إيلاما على عكس ما كان كثيرا من (خبراء)، الاعلام الوهميين يتصور ويراهن فمشهد جنازات الشهداء ودماء الأطفال وحطام المنشآت الفلسطينية لم يفقد بعد قدرته على التأثير، ولم يتحول الى مجرد مشهد اعلامي رغم التراجع الواضح في اهتمام كثير من المحطات الرسمية بابرازه. واستمرار وتيرة التصعيد اكتسب بعدا جديدا نتيجة استخدام الكيان الصهيوني كل ما في جعبته من وسائل، بعد أن فشلت رصاصات التخويف رغم قسوتها في أن تضع حدا للثورة المشتعلة. لقد وصل الكيان الصهيوني الى هذه المرحلة بعد أن نجح الفلسطينيون في أن يتجاوزوا بالانتفاضة حدود الاحتجاج الى الضرب في العمق، وبالتالي هز أعمدة نظرية الأمن الصهيونية في العمق، لكن الكيان الصهيوني ما زال حتى الآن أكثر قدرة على حماية مواطنيه وأكثر جرأة في استهداف المدنيين الفلسطينيين وهو خلل له أثره في زيادة الخسائر البشرية بين صفوف الفلسطينيين بشكل لا يقارن بالخسائر على الجانب الآخر. والمفارقة أن هاجس (الأمن) الذي أتى بالسفاح شارون الى كرسي رئيس الوزراء وقد صور نفسه في صورة القادر على تحقيق أمن الكيان الصهيوني أيا كان عدد الجماجم الفلسطينية التي ستتحطم ليتحقق هذا الأمن. هذا الهاجس تحول خلال الفترة القليلة الماضية من حلم الى كابوس. وتأكد أنصاره أن مزيدا من العنف الصهيوني يعني مزيدا من الضربات الموجعة في قلب (الكيان) والنتائج السياسية بعيدة المدى لهذه التجربة قد تكون أكبر من الدلالات المباشرة للأحداث. وإذا كانت انتفاضة الأقصى التي ما زالت مستمرة حتى الآن قد أثرت في أمن الكيان الصهيوني تأثيرا عميقا، فإن لها وجوها أخرى يستفيد منها الكيان الصهيوني استفادة كبيرة. فهذا التصعيد ليس فقط نتيجة رد الفعل الفلسطيني على زيارة شارون للمسجد الأقصى، بل هو تمهيد نيراني يسبق المعركة الأكبر. فخلال مسيرة الصراع العربي الصهيوني لعب الكيان الصهيوني مع العرب لعبة (السقوف المنخفضة) ويقصد بها أن يعرض باستمرار مشروعات التسوية السياسية يعلم مسبقا أن العرب لا يمكن أن يقبلوها، ثم يستخدم رفض العرب في تقديم نفسه للعالم في صورة الراغب في السلام المحاصر ببحر من الأعداء الدمويين المتعطشين للحرب. وللصورة التي ترسمها كل دولة لنفسها دور مهم في السياسة الدولية. وفي هذه المرحلة من التسوية يرغب الكيان الصهيوني في الوصول الى تسوية نهائية تتضمن أكثر الموضوعات خطرا (القدس اللاجئين الحدود النهائية..) وهي أهداف من الضخامة بحيث تحتاج الى تمهيد نيراني مناسب. ما يثير القلق أننا نحن العرب لا نجيد تحويل العطاء الفلسطيني في المقاومة الى رصيد لموقف سياسي له صفة الشمول والوضوح، بل ننظر اليه نظرة قاصرة، فما يحدث في أرض فلسطين المحتلة كان يمكن في مناخ عربي مختلف أن يكون انتفاضة لتحرير فلسطين غير أن أيا كان حجم إنجازه المباشر وأيا كانت التضحيات التي بذلت فيه مصيره الإهدار بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية. والعودة للمفاوضات كسقف سياسي عربي أصبح لأول مرة منذ عقود موضوع اتفاق رسمي لم يكن في حاجة الى كل هؤلاء الشهداء والجرحى. وهذه التضحية العظيمة ليست قادرة حتى لو صارت أضعافا مضاعفة أن تغير هذا السقف. وفي سياق تحتل فيه كلمة (الأمن) موقع السيادة من الخطاب الرسمي الصهيوني لا يوجد ما يمكن اعتباره تصورا عربيا واضحا شاملا للأمن سواء كان أمن الفلسطينيين في الارض المحتلة أو أمن الدول العربية المحيطة بالكيان الصهيوني وما لهذين الطرفين من الأمن هو ما يبقى بعد أن يتأكد الكيان الصهيوني من استتباب أمنه، فهل يدفعني هذا التصعيد الى التفكير بشكل أكثر جدية في درجة التهديد التي يمثلها هذا الكيان للأمن العربي كله؟؟ وهل يحتل أمن الفلسطينيين مكانا أكثر أهمية الى جانب قضايا القدس والأرض؟؟ إن الذي يحدث في فلسطين المحتلة تصعيد في سياق الانتفاضة ومسارها، لكنه في مسار الصراع تمهيد سيكون له ما بعده. فعندما يتوقف الرصاص ويجلس الفرقاء الى مائدة المفاوضات، وهو المطلب الرئيسي في الخطاب الرسمي العربي والفلسطيني، سيكون الشعب الفلسطيني قد قطع شوطا طويلا منهكا قدم فيه الكثير من أبناءه بين شهيد وجريح. وبالتالي سيكون من الصعب حينئذ نشوب انتفاضة أخرى، وهو أمر لن يحتاج الكيان الصهيوني الى جهد كبير لادراكه، أي أن المفاوض الفلسطيني سيكون أكثر إحساسا بالضعف وهو ما تتمناه أطراف عديدة. وعندئذ سيكون هذا المفاوض الفلسطيني العاجز لأسباب تتصل ببنية السلطة الفلسطينية ومنهج عملها عن تحويل الدم الفلسطيني الى رصيد تفاوضي. ووفقا لآليات تداول السلطة في الكيان الصهيوني يتوقع أن يعود حزب العمل الى السلطة منفردا أو ضمن ائتلاف فيصبح كل ما يطرحه من مقترحات للتسوية مرشحا للقبول فلسطينيا بأقل درجة ممانعة، لا لأنه يعيد قدرا يمكن قبوله (في اطار منطقة التسوية) من حقوق الشعب الفلسطيني بل لأنه بديل عن حرب شاملة يواجهها شعب أعزل، وستكون آثار الحرب في نفوس الناس أكثر خطورة من أثرها في الجدران التي تهدمت. إنه تمهيد نيراني دموي لمعركة ستكون المفاوضات فيها مجرد بروتوكول للتوقيع، وما واجههه الفلسطينيون بصدور عارية قد يواجهه المفاوض الفلسطيني وظهره للحائط بعد أن قدم الفلسطينيون تضحية قد تكون الأكبر في تاريخ الصراع العربي الصهيوني مقابل تسوية قد تكون أسوأ من كل ما رفضناه جميعا. ـ كاتب مصري