على ربع صفحة من جريدة «لوموند» أكبر الصحف الفرنسية (عدد الخميس 16 مايو الجاري) كتب جورج ماريون مراسل الصحيفة في الشرق الأوسط مقالاً عنوانه: اسرائيل تخاف من الدبلوماسية الفرنسية. ويحلل الكاتب وهو خبير في شئون الصراع الفلسطيني الاسرائيلي أهم اسباب وتداعيات الخوف الاسرائيلي من حتمية تنامي الدور الدبلوماسي الفرنسي أمام بوادر تقلص الدبلوماسية الامريكية أو بالأحرى ترددها وتخبطها. ويشير الكاتب الى عناصر سياسية موضوعية اساسية منها على سبيل المثال أن أمريكا تعتبر لاعباً دخيلاً نسبياً على مسرح أحداث الشرق الأوسط بإزاء الحضور السياسي الثقافي الفرنسي الممتد الجذور الى عام 1798 تاريخ الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت ضد مصر وسوريا ثم الى سنوات الصراع العثماني الأوروبي منذ أوساط القرن الماضي اثناء اصلاحات محمد علي بمصر وصولاً الى ما يسمى بالثورة العربية التي قادها الشريف حسين وأبناؤه بالتعاون مع لورنس العرب أعوام 1916 و1917 و1918. فأمريكا تعرف قارتها أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وتعرف منطقة الكاريبي وتعرف الشرق الأوسط وتعاملت مع ملفات أوروبا أثناء الحربين العالميتين كما أدارت وراقبت أزمات جنوب أفريقيا واكتسبت خبرة في التعامل مع الامبراطورية الروسية أثناء الحرب الباردة. لكن قاعدة المعلومات عن الشرق الأوسط لدى الإدارة الأمريكية لم تتجاوز المنظور الاسرائيلي... والمنظور الاسرائيلي وحده بلا منازع وهو منظور منقوص لأنه الطرف الرئيسي في الصراع. وهنا لابد أن نذكر ما أورده كاتب مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت ايزنهاور، الصحفي ستيفين امبروز عندما قال لوزير خارجيته جون فوستر دالس عام 1956: «هل بإمكانك تزويدي بمعلومات مفيدة عن شيء اسمه فلسطين وعن شيء اسمه اسرائيل... فهل هما دولتان جارتان أم يعنيان شيئاً واحداً؟». هذه الخلفية التاريخية ضرورية لفهم التخبط الامريكي الراهن ازاء ما يشبه عملية ابادة لشعب أعزل محاصر بواسطة الدبابات والجرافات والصواريخ التي يطلقها شارون بمباركة أمريكية. فهذه الممارسات تقدم للرأي العام الأمريكي ـ صانع القرار الامريكي ـ على أنها مجرد عمليات اسرائيلية محدودة لضرب الارهاب... وحماية مصالح أمريكا بقمع «التطرف والحركات الاصولية...!». أما الدبلوماسية الفرنسية فقد وضحها وزير خارجية فرنسا هوبرت فيدرين في اجتماع لجان الشئون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة بالبرلمان الفرنسي يوم 25 يناير 2001 حين قال «انها سياسة واعية بالمخاطر التي تحملها الانتفاضة الفلسطينية وانها ترفض التصعيد الاسرائيلي المعتمد على القوة وانها تدعو للعودة الى قرارات منظمة الأمم المتحدة والشرعية الدولية...». ولا نرى أبلغ من هذا التحديد الذكي لسياسة متوازنة ـ نسبياً ـ لها طموح لا غبار عليه في أن تتموقع على ساحة الصراع برؤية جديدة أقدر على فهم المأساة الفلسطينية والحقوق العربية أمام انحياز أمريكي أصبح يحرج الضمير الأوروبي كما تؤكده أدبيات نقرأها يومياً في فرنسا واسبانيا وايطاليا وألمانيا وحتى بريطانيا (مثال مقالات روبرت فيسك الرائعة). ثم وعلى صعيد آخر فلفرنسا مصالح أكيدة وعديدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكما نعلم جميعاً فإن للصراع الفلسطيني الاسرائيلي أبعاداً متوسطية لا يمكن اهمالها أو التغاضي عنها، ففرنسا وأوروبا من ورائها دول تقع على الساحل الشمالي للمتوسط، وعلى الساحل الجنوبي الشرقي تقع كل دول الصراع المرير المتشعب الذي يهدد أساساً مصالح الاتحاد الأوروبي حسب الخارطة الجيواستراتيجية على الصعيد الأمني المباشر وعلى صعيد المبادلات التجارية وعلى صعيد تقلص اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية اللتين تعتبران تقليدياً مفتاح الحضور الفرنسي والأوروبي منذ حملة بونابرت الى يوم الناس هذا. ولهذه الأسباب نشطت الدبلوماسية الفرنسية لتأخذ دوراً فاعلاً يجعلنا ننسى الأخطاء التقديرية التي ارتكبها رئيس الحكومة الاشتراكية ليونل جوسبان عند زيارته لاسرائيل منذ عامين حين وصم حزب الله بالإرهاب ونعت ممارسات اسرائيل بالشرعية لمقاومة الإرهاب. وهو الموقف اللاأخلاقي واللاسياسي الذي خلق أزمة عميقة بين جوسبان والرئيس شيراك. وللرئيس شيراك جملة من المواقف النبيلة الذكية عبّر عنها عام 1997 حينما زار مدينة القدس الشريف ونَهَرَ الحرس الصهيوني المحيط به والذي كان يحاول منعه من مصافحة عرب فلسطين والتحادث معهم. وهو موقف يعتمد المرجعية الديجولية (نسبة للرئيس الراحل شارل ديجول) الذي اشتهر عام 1967 بعبارة: «إن الشعب اليهودي شعب صلف ومتسلط». وهو الذي منع تصدير الأسلحة الفرنسية لإسرائيل ولم يزرها أبداً بل ولم يستقبل أحداً من رؤساء حكومتها. فهو شخصية تتميز بتحليل عميق للأحداث ورؤية مستقبلية ـ بل مصيرية ـ حادة وشفافة، مثل رؤيته الثاقبة للاتحاد السوفييتي في الخمسينيات والستينيات حيث كان يطلق عليه عبارة «روسيا» وأعطاه الزمن مصداقية بعد عقدين من الزمن وكذّب عتاة الشيوعية لأنهم كانوا ضد حركة التاريخ. واليوم حين أتحدث مع الصديق ميشال جوبير الوزير الديجولي الأسبق للخارجية الفرنسية أو مع جي بان الوزير الأسبق للشئون الأفريقية في حكومة الرئيس ميتران، أكتشف شعوراً واضحاً بضيق الضمير الفرنسي من ممارسات اسرائيل ومعاكستها لحركة التاريخي. فقد قال لي هذان الرجلان في لقاءات معهما خلال الشهور الأخيرة بأن الشعب الذي يجب ان يخاف على بقائه اكثر من سواه هو شعب اسرائيل، وللتأكد من ذلك افتح أية خريطة وانظر فيها واقرأ: بعض ملايين لن يتجاوز عددهم عام 2020 عشرة ملايين في أحسن الحالات محاطون بخمسة عشر مليونا عام 2020 من الفلسطينيين من ورائهم عام 2020 دائماً 450 مليون عربي في فلك إسلامي يقدر بمليارين... هذه هي خارطة الشرق الأوسط بعد تسعة عشر عاماً فقط تتحول فيها دولة اسرائيل بالضرورة الى نقطة في بحر لا يجدي معها منطق التفوق العسكري المفروض أمريكياً ومؤقتاً، والدبلوماسية الفرنسية دبلوماسية عريقة ـ مختلفة أساساً عن التخبط الأمريكي الراهن قصير النظر ـ فالدبلوماسية الفرنسية لها جذور ممتدة الى ألف عام عندما كانت فرنسا وملكها شارل ماني على علاقة بأمير المؤمنين هارون الرشيد وولديه الأمين والمأمون. فهي دبلوماسية إذا ما قرأناها خارج الإطار الاستعماري تتميز بالتحسب للعواقب والاستعداد للتحولات. ومن هذا المنطلق كتب الصحفي جورج ماريون قائلاً إن اسرائيل تخشى الدبلوماسية الفرنسية وتفضل ـ طبعاً ـ تعامل الادارة الامريكية مع الحالة الراهنة بالعشوائية نفسها وسوء التقدير. فشارون اليوم يلعب آخر أوراقه بإعلان حرب الفانتوم على شعب أعزل. وهو لعب بالنار التي تحرق أصابعه وتهدد المنطقة كلها بلهب الثورات العادلة ضد الصهيونية ذات الوجه النازي المتعجرف. وأعتقد أن عمرو موسى سيضع في أولوياته المزيد من فتح الباب أمام الدبلوماسية الفرنسية ـ والأوروبية ـ لتحقيق معادلة أفضل وتوازن أعدل. ـ أستاذ الإعلام ـ جامعة قطر